الشناشير: طراز معماري يجسد تراث أبوشهر

الشناشير: طراز معماري يجسد تراث أبوشهر

توفيق النصّاري

تعد الشناشير في أبوشهر القديمة، تحديدًا في المحلات الأربع، واحدة من أبرز وأشهر العناصر المعمارية التقليدية التي تميز المدينة. الشناشير هي نوع من الشرفات الخشبية المعلقة التي تمتد من واجهات المنازل وتطل على الشوارع أو الأزقة. تلعب الشناشير دورًا مهمًا في تنظيم حركة الهواء داخل المنازل، مما يساعد في تلطيف درجات الحرارة المرتفعة في الصيف، ويمثل هذا الطراز جزءًا من هوية أبوشهر المعمارية.

يُسمى هذا العنصر المعماري في عربستان (الأهواز) والعراق بـ "الشناشيل"، ويُلاحظ أن هذا الطراز المعماري انتقل من البصرة إلى أبوشهر، حيث لا نجده في المدن الإيرانية المجاورة لأبوشهر ولا حتى في المدن الساحلية على ضفة الخليج المقابلة. تعد البصرة معروفة بتاريخ الشناشيل، كما أن قصيدة "شناشيل ابنة الجلبي" للشاعر البصري بدر شاكر السياب معروفة، وهي القصيدة التي تحمل المجموعة عنوانا والتي يورد فيها السيّاب القصص القرآنية، والخرافة، والمأثور الشعبي.

تُبنى الشناشيل من الخشب المنقوش والمزخرف، وهو ما يضفي عليها طابعًا فنيًا وجماليًا خاصًا. كانت الشناشيل منتشرة في المحمرة والناصرية في الأهواز، إلا أنها اختفت عن الأنظار بسبب نقص الاهتمام بصيانتها وترميمها، مما يختلف عن أبوشهر، حيث يتم الحفاظ على هذا العنصر المعماري بوضوح.

أما عن سبب تغيير اللفظ، فهو يعود إلى إبدال الحروف، حيث يُعد إبدال حرف اللام بحرف الراء ظاهرة لغوية قديمة تظهر في عدد من اللغات واللهجات. تعود الأسباب إلى عوامل صوتية، حيث ينتمي الحرفان اللام والراء إلى نفس المجموعة الصوتية (الحروف الذلقية)، مما يسهل التشابه بينهما أثناء النطق.

في السنوات الأخيرة، شهدت أبوشهر القديمة حركة ترميم وتجديد ملحوظة لعدد من الشناشير في المحلات الأربع والمنازل التاريخية. هذه التحولات جاءت نتيجة لاهتمام متزايد بالحفاظ على التراث المعماري الفريد للمدينة، وتُعد الشناشير من أبرز المعالم التي تميز أبوشهر وتُشبعها بلمسة فنية قديمة تعكس التاريخ والتقاليد المحلية.

يُلاحظ أن عددًا من الشناشير القديمة قد تم ترميمها، بينما تم بناء شناشير جديدة في بعض المنازل القديمة التي تم تحويلها إلى مقاهي أو مطاعم حديثة. هذه المشاريع تسهم في الحفاظ على الطابع التقليدي للمدينة، بينما توفر للمواطنين والزوار تجربة ثقافية غنية.

يُعتبر إعادة بناء المنازل القديمة على الطراز المعماري التقليدي أمرًا شائعًا في أبوشهر اليوم، حيث يتم تهديم بعض البيوت التي تضررت أو تهالكت مع مرور الزمن، ثم يتم إعادة بنائها باستخدام الأساليب المعمارية نفسها، خاصة في الأماكن التي تشهد توافد السياح. هذه البيوت التي تُبنى مجددًا تحتفظ بعناصر مثل الشناشير وتُحول إلى مقاهٍ أو فنادق صغيرة، مما يتيح للسياح فرصة التنزه والاستمتاع بالأجواء الأصيلة للمدينة القديمة.

الشناشير في أبوشهر ليست مجرد عناصر معمارية تقليدية، بل أصبحت رمزًا ثقافيًا يعكس ارتباط أهالي المدينة بتراثهم الغني. يظهر هذا الاهتمام العميق بتراث الشناشير في استخدام اسمها في مشروعات حديثة تهدف إلى الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة، مثل الزقاق التراثي-الفني الذي تم إطلاقه في نهاية السوق القديم. الزقاق يحتوي على مقهى، موقع للتصوير، ومعرض للفنون، وتُقام فيه الفعاليات الفنية. هذا المشروع هو مثال على استخدام الأهالي لأسماء تراثية في مشروعاتهم الاقتصادية الحديثة، مما يعكس استراتيجيتهم في دمج الماضي بالحاضر، والحفاظ على الهوية الثقافية بينما يواكبون التحولات الاقتصادية.

دراسة تحليلية نقدية للفرضيات اللغوية المتعلقة بأصل كلمة '"چويت"

دراسة تحليلية نقدية للفرضيات اللغوية المتعلقة بأصل كلمة "چويت"

توفیق النصاري

1-المقدمة

تعد دراسة أصول الكلمات جزءًا أساسيًا من علم اللغة، حيث تساهم في فهم التحولات اللغوية والتداخل الثقافي بين الشعوب. ومن بين الكلمات التي أثارت جدلًا في دراسات اللهجة كلمة "چويت"، التي تُستخدم في العراق والأهواز وبعض دول الخليج للإشارة إلى مادة زرقاء اللون تُستخدم في إكساب الملابس البيضاء زرقة خفيفة، مما يجعلها تبدو أكثر إشراقًا حيث يُذاب في الماء ثم تُنقع فيه الأقمشة للحصول على التأثير المطلوب.

رغم تراجع عملية صبغ الملابس باستخدامه، لا يزال الچُويت يُباع في بعض دكاكين العطارة والمتاجر المتخصصة ببيع الأعشاب والدواء الشعبي، حيث يُستخدم كصبغ تقليدي للملابس، محتفظًا بمكانته في بعض الأوساط التي تفضل الطرق التقليدية.

وقد اشتُق في الأهواز اسم علم من هذه الكلمة، وهو "مچوّت"، الذي كان يُطلق على الذكور في بعض الفترات الماضية. وهو اسم مفعول من "چوَّت" بمعنى "مصبوغ بالچويت". ويعكس الاسم ارتباطًا ثقافيًا عميقًا بين الأفراد والكلمات اليومية، ويُعتبر جزءًا من التراث اللغوي في المنطقة.

الإشكالية التي تعالجها الدراسة تتعلق بالجدل القائم حول أصل هذه الكلمة، حيث تعددت التفسيرات بشأن منشئها. فبينما ذهب بعض الباحثين إلى اعتبارها كلمة ذات أصل هندي، اقترح آخرون أنها مشتقة من الإنجليزية، بينما تشير الأدلة اللغوية إلى أصل عثماني تركي.

تكمن أهمية الدراسة في تفنيد الفرضيات السابقة استنادًا إلى منهج علمي دقيق يعتمد على التأصيل اللغوي، مما يسهم في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة في الدراسات المعجمية. کما ستعتمد على المنهج التاريخي المقارن لتتبع جذور الكلمة في اللغات المختلفة، مع تحليل صوتي ودلالي.

2- عرض الفرضيات حول أصل كلمة "چويت"

2-1-الفرضية الهندية

يرى بعض الباحثين أن كلمة "الچويت" ذات أصل هندي، مستندين إلى العلاقة التجارية الوثيقة بين الهند والخليج، والتي ساهمت في انتقال العديد من الكلمات.

من أوائل من أشار إلى هذا الرأي "الشيخ جلال الدين الحنفي" في معجم الألفاظ الكويتية، حيث قال: «الچويت: مادة نيلية زرقاء تذوب في الماء الصافي من أجل أن تنقع فیه الثیاب البیض، بعد الانتهاء من غسلها، فیکون في بیاضها لذلك زرقة خفيفة مرغوبة.. ]وقد کاد الچویت في بغداد ینقرض لندرة استعماله [ولعلّ اللفظة من الهندية "چیت" لنسیج من الحریر الملون» (1964م: 88).

كما تبنى هذا الرأي "ناصر حسين العبودي" في كتاب "الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة عمان" حيث قال: أن «جویت تعني (زهرة الملابس) وهي كلمة هندية. استعملت المادة بشكل عام في المنازل الخليجية» (1989م: ص 77).

وتكرر هذا الطرح في كتاب "نورة القاسمي"، "الوجود الهندي في الخليج العربي (1820-1947)"، حیث قالت: «كما انتشرت بعض الكلمات الهندية داخل المنازل العربية في الخليج مثل "بنكه" وهي مروحة الهواء، و"تاوه" وهي آنية عمل الخبز، و"موري" وتعني حوض غسيل اليد، و"بتات مفاصل الباب" و"بالدي" وهو السطل، و"بوجلي" مصباح اليد بالبطارية و "بته" وتعني ورقة اللعب وهي مشتقة من الكلمة الهندية "بته" أي رزمة ورق، وجويت وتعني زهرة الملابس ...» (1996م: 25).

أما الباحث الأهوازي عبدالأمير الشويکي فقد نقل هندية الکلمة من "معجم الألفاظ الدخيلة في اللهجة العراقية وقد وضع الاختصار (م. الفظ.د) أمام الاقتباس. قال الشويکي في موسوعة اللهجة الأهوازية: «چويت (هن): «چويت مادَّة زرقاء اللون على هيئة مکعبات والمادَّة هذه مستخلصة من النَّبات المعروف باسم النيل وتذاب في الماء الصَّافي بنسبة مُعيَّنة ثمَّ تنقَّع فيها الملابس البيضاء فقط، لتکتسب زُرقة خفيفة. يقال: «دشداشة امچوِّته». چويت: هندية: (م. الفظ.د)» (2015م: 215).

إن التشابه اللفظي بين الكلمات في كثير من الأحيان قد يُضلل الباحثين، فيقودهم إلى استنتاجات خاطئة إذا اعتمدوا عليه فقط دون التحقق من أصل الكلمة ودلالتها الدقيقة. الحنفي، على سبيل المثال، لاحظ أن "الچيت" في الهندية تشير إلى نوع من الأقمشة، فظن أن "الچويت" لها نفس الأصل. لكن التشابه الصوتي وحده لا يُعد دليلًا كافيًا على ذلك، ففي عالم اللغات واللهجات قد تتشابه الكلمات في النطق، لكن أصولها ومعانيها قد تكون مختلفة تمامًا.

بالنسبة للباحث ناصر حسين العبودي، فقد اكتفى بالإشارة إلى الكلمة الهندية دون أن يقدم لنا الكلمة الأصلية بحروفها الهندية أو دلالتها الدقيقة. وكأن الأمر كله مجرد لعبة كلمات.

کما أن الباحثة "نورة القاسمي"، فقد اكتفت أيضًا بذكر أن الكلمة هندية دون توضيح مصدرها أو كيف تُستخدم في سياقها الأصلي. هذا، بالطبع، لا يساعد كثيرًا في عملية التوثيق العلمي أو تصحيح الفرضيات.

أما الباحث عبدالأمير الشويكي، فقد اكتفى بنقل ما ورد في معجم الألفاظ الدخيلة العراقية حول نسبة الكلمة للهندية دون أن يقدم أي تحليل أو دليل إضافي على أصل الكلمة. فكل ما فعل هو اقتباس ما ذكره المعجم دون فحص أو تحقق من دلالته اللغوية أو السياقية. وهنا تكمن المشكلة: المعجم قد يشير إلى أن الكلمة هندية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا الاستنتاج دقيق أو مستند إلى دراسة لغوية معمقة. إذ كان من الأفضل أن يعمد إلى فحص أعمق للكلمة في سياقها الهندي الأصلي، خاصة في حال غياب دليل واضح يثبت ذلك.

وبالنسبة إلى جميع الباحثين المذكوين، فإن القول بأن كلمة "الچويت" تنحدر من الهندية دون تقديم الكلمة الأصلية بحروفها الهندية أو دلالتها في السياق الهندي هو إغفال خطير. من أجل أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، يجب دائمًا ذكر الكلمة بحروفها الأصلية، مع توضيح معناها في لغتها الأم. هذا ليس فقط لتعزيز مصداقية البحث، ولكن أيضًا لإعطاء القارئ الفرصة للتحقق من المعلومات بشكل مستقل.

وعندما تحققنا من الكلمة الهندية المستخدمة للمادة، وجدنا أن الكلمة هي 'नील' (نِل)، وهي تختلف تمامًا عن "الچويت". وهكذا، فإن نسبة الكلمة للهندية تبقى فرضية ضعيفة، تفتقر إلى أي دليل لغوي حاسم، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول صحة هذه الاستنتاجات.

2-2-الفرضية الإنجليزية

طرح بعض الباحثين فرضية أن الكلمة مشتقة من الإنجليزية، حيث قال "حمد السعيدان" في "موسوعة الكويت المختصرة" أن الچویت «مسحوق أزرق يُضاف إلى غسيل الثياب البيضاء ويُغير من بياضها، حيث يعطيها زرقة خفيفة وتبدو ناصعة، وقد عرف الكويتيون هذه المادة من الهنود ونقلوها محرفة من الإنجليزية "چنجوایت" (Change White) لأن هذا المسحوق الأزرق يُستعمل لتغيير اللون الأبيض من الملابس فقط» (1981م: 1/374).

وبعد عقدين من الزمن، نقل سعد المبخوت في "أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية" نفس الرأي دون أن يشير إلى أنه اقتبسه من السعيدان، فقال: «... چویت: Change White مادة زرقاء تضاف على الغسيل لتعطيه بياضًا وزرقة خفيفة» (2001م: 60).

وفي كتاب "عتيج الصوف في الكلمات والحروف" المطبوع سنة 2010م، نقل أنس عيسى ماجد الشاهين رأي السعيدان، حيث كتب: «(الجويت) هو ذلك المسحوق الأزرق الذي يُخلط مع الماء أثناء غسل الملابس البيضاء بحيث يعطيها زُرقة بسيطة فتظهر بيضاء ناصعة. يسميه البعض (زهَر). المرحوم حمد السعيدان أشار في الجزء الأول من (الموسوعة الكويتية المختصرة) إلى أن الكويتيين نقلوا هذه المادة من الهنود الذين نقلوها بدورهم من الإنجليزية فحرّفوا اسمها الأصلي "Change White"، حيث إن هذه المادة تعمل على تغيير لون الملابس البيضاء» (2010م: 84).

عند اقتراح أصل جديد أو غير تقليدي لكلمة ما، يجب أن يكون الباحث شفافًا بشأن طبيعة افتراضاته وأن يوضح أنها مجرد فرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق. النقد العلمي السليم يعتمد على الشفافية، وعدم إقحام فرضيات غير موثقة كحقائق مسلم بها، مما يضمن مصداقية البحث واستمرارية الحوار العلمي البناء.

بعض الباحثين، عندما يعجزون عن إيجاد أصل مباشر لكلمة معينة، يلجأون إلى اختراع تراكيب لغوية غير موثقة لملء هذا الفراغ، ويقترحونها كأصل. هذا الأسلوب، رغم أنه قد يبدو مبدعًا، إلا أنه يفتقر إلى الدقة العلمية ويمكن أن يؤدي إلى استنتاجات خاطئة.

المشكلة الأساسية في تأصيل السعيدان هي أن تركيب "Change White" يجب أن يكون موثقًا بشكل جيد في نصوص أو سجلات لغوية تعود إلى اللغة الإنجليزية. إذا كانت كلمات معينة موجودة بشكل منفرد في اللغة، لكنها لم تُستخدم أبدًا معًا في تركيب معين، فليس من الصحيح افتراض أن ذلك التركيب قد وُجد بالفعل. يجب على الباحث أن يعتمد على شواهد نصية أو تاريخية مؤكدة عند اقتراح أصول للكلمات.

في المجمل، اختراع السعيدان لتركيب "چنجوایت" (Change White) ساهم في نشر معلومات مغلوطة، لذا من المهم أن يتحلى الباحثون بالانضباط الأكاديمي والاعتماد على الأدلة اللغوية الموثوقة فقط.

أما عن تكرار الخطأ، فهذا من أمراض البحوث؛ فيرتكب أحد الباحثين خطأً ثم يتبعه الآخرون ظنًا منهم بأن ما كُتب هو الصواب، خاصة إذا كان الباحث المأخوذ عنه يتمتع بشهرة ومكانة عالية. وهنا نقل الباحثان "سعد المبخوت" و"أنس عيسى" رأيًا غير صائب، فساهموا في نشره على نطاق أوسع.

3- الأصل التركي للكلمة

وردت کلمة کلمة الچويت في معجم اللغة العثمانية المسمی "الدراري اللامعات في منتخبات اللغات"، بشکل «چویت: نور. نیلج "نیل"» (محمد علي الأنسي، د.ت: 221). وذکرها المعجم الترکي الإنجليزي المسمى "A Lexicon, English and Turkish" والمطبوع قبل سقوط الإمبراطورية/ الخلافة العثمانية بشکل "چويت" أيضًا (Sir James William Redhouse, 1860:430) . والملاحظ هنا أن هذه الكلمة لم تشهد تغييرات صوتية أو دلالية في اللهجة، فهي تُنطق كما ينطقها التركي، والدلالة بقيت كما هي.

وعندما تم استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية في اللغة التركية في زمن آتاتورك، وأُطلق على اللغة اسم "التركية الحديثة"، أصبحت كلمة "چویت" تُكتب بشكل " Çivit"، وهي مادة تتخذ من أوراق نبات چویت Çivit /. والچويت نبات عشبي عمره عامين وله أزهار صفراء زاهية. يتم الحصول على الصبغة الزرقاء عن طريق تخمير أوراق النبات. موطن الچویت هو سفوح القوقاز وانتشر من أقصى الشرق إلى جبال الهيمالايا. ينمو ما يقرب من 30 نوعًا من الچویت بشكل طبيعي في تركيا.

وقد ورد الچويت Çivit في مجموعة من القوامیس منها القاموس الترکي الأردي المسمی Turkī Urdū lughat " " (Muhammad Sabir,1968: 52) وفي قاموس راهنما الترکي/ الفارسي/ الإنجليزي المسمی

Rahnama Turkish English-Persian Dictionary

(A.A. Rastrow, 2002: 87).

وفي معجم الترکي الفارسي (محمد کامار، 1995م:88).

الخاتمة

بعد تحليل الفرضيات المختلفة المتعلقة بأصل كلمة "الچويت"، يتضح أن الأصل العثماني هو الأكثر ترجيحًا، نظرًا لوجود تطابق واضح في المعنى والنطق بين الكلمة العثمانية "چويت" والكلمة المستخدمة في اللهجات العربية. كما أن تتبع التاريخ اللغوي للكلمات والظروف التي شهدت انتقالها بين اللغات يقدم رؤى أعمق حول كيفية دخول هذه الكلمة إلى العربية، مدفوعة بالاتصالات الثقافية والتجارية بين العرب والعثمانيين.

المصادر

أنس عیسی ماجد الشاهین، عتيج الصوف في الکلمات والحروف، 2010م.

حمد محمّد السعيدان، الموسوعة الكويتيَّة المختصرة، الكويت: وكالة المطبوعات، 1981م.

جلال الدين الحنفي، معجم الألفاظ الکويتية، بغداد: مطبعة الأسد، 1964م.

سعد المبخوت، اصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية، 2001م.

عبدالأمير الشّويكي، موسوعة اللَّهْجَة الأهوازيَّة، قم، أنوار الهدى، 2015م.

محمّد علي الأنسي، قاموس اللُّغَة العثمانيَّة، د.ت.

محمّد كانار، فرهنگ جامع تركی استانبولی به فارسی، تهران: انتشارات شيرين، 1995م.

ناصر حسین العبودي، الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة عمان، مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية،1989م.

نورة محمد القاسمي، الوجود الهندي في الخليج العربي1820-1947، دائرة الثقافة والاعلام، 1996م.

Muhammad Sabir, Turkī Urdū lughat, Taraqqī-yi Urdū Bor ke ishtirāk o muʻāvanat-i mālī se Lāʼibrerī Promoshan Biyoriyo, 1968.

A.A. Rastrow, Rahnama Turkish-English-Persian Dictionary, Rahnama, 2002.

Sir James William Redhouse, A Lexicon, English and Turkish, Oriental Literature Society, 1860.

لقب "ماهيني" في أبوشهر: دلالات الهوية الثقافية والتاريخية

لقب "ماهيني" في أبوشهر: دلالات الهوية الثقافية والتاريخية

توفيق النصاري

في كل مدينة، تنتشر ألقاب معينة بين سكانها، وتظهر على لافتات المحلات والشركات لأسباب متنوعة، منها العمق التاريخي للجماعات التي تحمل هذه الألقاب، أو كثافتها السكانية، أو تأثيرها الاجتماعي. في مدينة أبوشهر، يبرز لقب "ماهيني" كأحد الألقاب الأكثر شيوعًا، حيث يمكن رؤيته في العديد من الأماكن العامة. لكن هذا اللقب لم يكن مستخدمًا قبل عهد البهلوي الأول، إذ كانت الجماعة التي تحمله تُعرف بلقب "آل مذکور"، وهم حكام أبوشهر والبحرين،.
آل مذكور هم من العائلات العربية السنية الشافعية المتشيّعة التي استوطنت الساحل الشرقي للخليج، وخاصة في أبوشهر، وكان لها تأثير سياسي واقتصادي كبير في المنطقة. اشتهر الشيخ ناصرخان آل مذكور، باني مدينة أبوشهر الحالية، بتوسيع نفوذه في الخليج، مؤسسًا حكمًا مستقلًا في أبوشهر والبحرين. بعد وفاته، تولى ابنه الشيخ نصر حكم ابوشهر عام 1768 م، واستمر في حكمه حتى وفاته عام 1800 م، حيث خلفه ابنه الشيخ عبدالرسول خان. وبهذا، يبقى "آل مذکور" لقب طبيعي أبرزته الحياة.
لكن التغيير في اللقب يعود إلى سياسات الهوية والتغيير اللغوي التي فرضتها الدولة الإيرانية خلال حكم رضا شاه البهلوي، حيث استُبدلت العديد من الأسماء العرقية والمحلية بأسماء فارسية، إما من خلال ترجمة معانيها أو بتغييرها إلى أسماء جديدة.
مع وصول رضا شاه البهلوي إلى الحكم عام 1925م، تبنت الحكومة سياسة تهدف إلى دمج الأقليات العرقية في الهوية الفارسية، وذلك من خلال فرض تغييرات لغوية على أسماء المدن والأنهار والألقاب وغيرها. كانت هذه السياسة جزءًا من مشروع قومي يسعى إلى توحيد البلاد تحت هوية واحدة، وهو ما أدى إلى إعادة تسمية العشائر والمناطق بما يتماشى مع اللغة الفارسية.
في هذا السياق، تم استبدال لقب "آل مذکور" الذي كان يستخدم شعبيًا بلقب "ماهيني" في بطاقات الهوية التي كانت قد صدرت لأول مرة. ويُعتقد أن كلمة "ماهيني" مأخوذة من "ماهي" (السمك بالفارسية)، ربما للإشارة إلى مهنة الصيد التي كانت سائدة بين آل مذکور، خصوصًا في منطقة "جفرة" حيث كانوا يعيشون. ومع مرور الوقت، أصبح هذا اللقب جزءًا من هوية سكان أبوشهر، حتى أن حي "جفرة" أصبح يُعرف بـ "جفرة ماهيني".
رغم أن التغيير جاء في إطار سياسة حكومية، إلا أن لقب "ماهيني" أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في أبوشهر. ومع مرور الأجيال، أصبح الناس يتعاملون معه كهوية محلية، دون الرجوع إلى أصوله المرتبطة بالنصور. ومع ذلك، لا تزال ذاكرة بعض كبار السن تحتفظ بتاريخ الاسم الأصلي، مما يعكس كيف يمكن للسياسات القومية أن تؤثر على الهويات المحلية، لكنها لا تستطيع محوها بالكامل.
في الختام، يُعد لقب "ماهيني" مثالًا على كيفية تفاعل التاريخ، والسياسة، والمجتمع في تشكيل الهوية الثقافية. من خلال تغيير لقب "آل مذکور" إلى "ماهيني"، لم يكن الهدف مجرد تعديل لغوي، بل كان جزءًا من مشروع قومي أكبر لإعادة تشكيل الهويات في إيران. ومع ذلك، تبقى الألقاب، مثل اللغة والثقافة، حاملة لذاكرة تاريخية لا يمكن محوها بسهولة، بل تظل متداخلة في تفاصيل الحياة اليومية، مثل أسماء الأحياء والمتاجر والعائلات، مما يجعلها جزءًا من تاريخ المدينة الذي يستحق التوثيق والتأمل.

نقر الرحى: حرفة قديمة اندثرت مع الزمن

نقر الرحى: حرفة اندثرت مع الزمن

توفيق النصاري

من الحرف القديمة في الأهواز، والتي تعد جزءًا من تراث المنطقة، حرفة "النگار" أو "النقار"، حيث كان النگارون يجوبون القرى لإعادة تأهيل الرحى القديمة عبر نقر سطحها الداخلي، مما يعيد لها قدرتها على طحن الحبوب بكفاءة.

مع مرور الوقت وكثرة الاستخدام، كانت الرحى تفقد حدتها، ويصبح سطحها أملس، مما يقلل من فاعليتها في الطحن. وهنا يأتي دور النقار، الذي يستخدم أدواته الخاصة لنقر الحجر وإعادة تشكيل خشونة السطح الداخلي، مما يضمن عودتها للعمل بكفاءة كما كانت في السابق.

هذه المهنة كانت ضرورية في الماضي، إذ لم يكن استبدال الرحى بالأمر السهل، وكان نقرها يوفر حلًا عمليًا يطيل عمرها ويضمن استمرار استخدامها في طحن القمح والشعير، وهو ما كان يشكل أساس الحياة اليومية في القرى الأهوازية.

ومع حضورها في الحياة اليومية، دخل "النگار" الأمثال الشعبية، حيث يرد في المثل القائل: "النگار كسر الرحى وراح مغتاظ" (آل یاسین، ۲۰۱۷م: ۳۱۶)، ويُضرب للشخص الذي يطلب المزيد وهو في الأصل المطالب، أو لمن يتسبب بالمشكلة ثم يغادر ساخطًا وكأنه هو المظلوم.

وكان النقارون عادة من غير العرب، إذ كان العرب يعتبرون المهن حِرفًا عارًا، حيث كانوا يرون أن الرجل الذي يجلس على الأرض مثل النساء ويؤدي خدمات للآخرين قد فقد من مكانته. لذا، كان معظم النقارون من العجم، وكانت طبقة الحرفيين تعتبر منبوذة في المجتمع العربي، حيث كان العرب يرفضون التصاهر معهم.

ظلت مهنة نقر الرحى مستمرة حتى السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت تُمارس في بعض المناطق، إلا أنها بدأت بالاندثار تدريجيًا مع تغير أنماط الحياة وظهور بدائل حديثة أدت إلى تراجع الحاجة إليها حتى اختفت تمامًا.

المصادر

آل ياسين، كاظم، أمثال وحكم مردم عرب إيران" اصفهان: فرهنگ مردم، ۲۰۱۷م.

حقيقة اللهجة الآبادانية: دفاع عن لغة سكان عبادان الأصليين

حقيقة اللهجة الآبادانية: دفاع عن لغة سكان عبادان الأصليين

توفيق النصاري

في السنوات الأخيرة، برزت ما يُعرف باللهجة الآبادانية في وسائل الإعلام. هذا التعبير لم یکن رائجا قبل ثلاث أو اربع عقود لکنه أصبح اليوم يتداول بکثرة سواء علی مستوی الدراسات أم المنشورات في شبکات التواصل الاجتماعي.
اللهجة الآبادانية تعني اللهجة المنسوبة لـ"آبادان" وهو الاسم الذي وضعه رضاخان البهلوي سنة 1935 بعد القضاء علی حکم الشیخ خزعل، تحريفًا لاسم"عبادان" الذي كان معروفًا منذ قرون وواردًا في الشعر والنثر العربي وأبرز مثال علی ذلك هو استخدام الشاعر المعروف أبو العتاهية هذا الاسم بقوله: "سَقى اللَهُ عَبّادان غَيثاً مُجَلَّلاً/ فَإِنَّ لَها فَضلاً جَديداً وَأَوَّلا".
يُشير مصطلح "اللهجة الآبادانية" إلى لهجة فارسية متشكلة من امتزاج لهجة عجم أبوشهر والشیرازيين والاصفهانيين وغيرهم ممن تدفقوا إلى المدينة بعد إنشاء مصفاة النفط مع الکلمات العربية والهندية والإنجليزية. لكن تُعتبر لهجة عجم أبوشهر العمود الفقري لما یسمی اللهجة " الآبادانية"، حيث تتأثر هذه الأخيرة بشكل كبير بالعناصر اللغوية والثقافية لللهجة الأبوشهرية. تتجلى هذه التأثيرات في المفردات، وأسلوب التعبير، ونبرة الكلام.
مع إنشاء مصفاة النفط عام 1912، بدأت عبادان تشهد تغيّرات سكانية كبيرة. هاجر الآلاف من العمال والموظفين غير العرب من مناطق مثل أبوشهر، شيراز، اصفهان و ... إلى عبادان للعمل في المصفاة، مما أدى إلى تغييرات ملحوظة في التركيبة السكانية للمدينة.
وقبل إطلاق مصفاة النفط، كانت جميع المناطق المسكونة في المدينة عربية. من أبرز المصادر التي تُصوِّر عبادان قبل النفط هو كتاب البريطاني لوريمر "دليل الخليج"، الصادر في عام 1908. في هذا العمل، ذكر لوريمر قبائل عبادان (الدريس، النصار والمحيسن)، وأسماء المناطق التي يقطنونها، مما ساهم في بناء صورة واضحة عن الحياة اليومية في تلك الفترة.
ولا يمكن فصل هذا التغيير عن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، خاصة بعد سنة 1925م. منذ ذلك الحين، اتبعت السلطة سياسات ممنهجة تهدف إلى فرض الهوية الفارسية. محاولات فرض الهوية الفارسية تضمنت إجراءات لطمس الهوية اللغوية للسكان العرب، حيث تم حذف اللغة العربية رسميًا. في الوقت ذاته، شُجع المهاجرون على الاستقرار في المناطق العربية لتعزيز التحول الديموغرافي. هذه السياسات ليست مجرد تحولات طبيعية بل هي جزء من مشروع سياسي لتغيير التركيبة الثقافية والديموغرافية للمنطقة، ما أدى إلى تهميش اللغة العربية وحصرها في أطر ضيقة.
ومع ذلك، استمر السكان العرب في استخدام لغتهم العربية في الحياة اليومية متمسكين بهويتهم، رغم الضغوط السياسية والاجتماعية التي حاولت فرض الفارسية. ويُعتبر استمرار وجود الأحياء والأسواق والقری في عبادان دليلًا حيًا على أن الهوية العربية لا تزال حية، رغم كل محاولات الطمس. هذا التمسك باللغة يعكس رفضًا لمحاولات تهميش السكان الأصليين وإلغاء ثقافتهم.
تسکن مدينة عبادان اليوم غالبية عربية في أحياء مثل: السلیچ، شطیط، الطابوگ، العلوانية، الثوامر، الطویشة، الرميلة، الفيّة، معمرة صنگور، الشاخة، السدة، أما القری فجميعها ویبلغ عددها حاليا 70 قرية تتحدث العربية، مما يعكس الارتباط العميق للسكان الأصليين بتراثهم ولغتهم. على عكس ذلك، لا توجد أي قرية خاصة بالمهاجرين.
برزت في الستينيات فصاعدًا مجموعة من المطربين الذين أدوا الأغاني باللغة العربية واشتهروا على صعيد إقليم الأهواز، لا عبادان وحدها. من بين هؤلاء المطربين يمكن أن نذكر السيد جواد، عبدالأمير عيداني، و
عبدالأمير إدريس، أحمد كنعاني، علاوي أبو حسين، ناصر حلافي، حسين أبو علي، خضير أبو عنب، عبدالإمام عچرش، وغيرهم الكثير.

أما في مجال الشعر، فمنذ حقبة الشيخ خزعل وإلى اليوم، لم تخلو عبادان من الشعراء الذين أثروا الساحة بالشعر الشعبي. ومن أبرز هؤلاء الشعراء طاهر إسحاق القيم، ياسر القيم، مصطفى القيم، مذخور النصاري، عیسی المذخور، السيد علوان الخمیسي، الملا عمران العبادي، وغيرهم. رغم إنجازاتهم، فإن هؤلاء قد تعرضوا أيضًا للتهميش والإقصاء عن الأضواء في الدراسات التي کتبت عن عبادان. إن هذا التهميش يعكس واقعًا مؤلمًا يحتاج إلى تغيير، حيث يجب إحياء التراث الثقافي والفني لهؤلاء الفنانين والشعراء، وتعزيز مكانتهم في الذاكرة الجمعية للمجتمع.

يعتبر السکان الأصلیین أن لهجتهم جزء من هويتهم الثقافية والتاريخية فإن أي محاولة لتسمية لهجة أخرى بهذا الاسم قد تُفهم على أنها محاولة لتهميشهم أو محو هويتهم. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بل هي جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان المدينة الأصليين؛ إنها مرآة للهوية والتاريخ.

والعربية في عبادان كانت مرتبطة بتاريخهم، وعاداتهم، وشعائرهم الدينية، وحتى في الأغاني الشعبية والشعر الذي يعكس روح المنطقة وتراثها وبالتالي، فإن محاولات تحريف هذا التاريخ أو إدعاء أن "الآبادانية" هي اللغة الأصلية تعتبر تهميشًا مقصودًا لهويتهم.

قبل التحولات الاقتصادية التي أحدثها النفط، كان جمیع سكان عبادان يتحدثون عربية متأثرة بشكل مباشر بالبيئة المحلية والعادات الثقافية. وقد تميزت بتشابهها مع عربيات المناطق المحيطة مثل الدورق والبصرة، مما يعكس الترابط الثقافي واللغوي بين المجتمعات العربية. لكن مع ازدياد الضغط الاقتصادي والهجرة من مناطق أخرى في إيران، بدأت اللغة والثقافة الأصلية تتعرضان لتحديات جديدة، مما ساهم في تهميش اللغة العربية في مرکز المدينة وظهور لهجة جديدة متأثرة بالثقافات الأخرى.
تعتبر هذه الخلفية التاريخية ضرورية لفهم التحولات اللغوية التي شهدتها عبادان وكيف أثرت على الهوية الثقافية للسكان الأصليين. من خلال تسليط الضوء على هذا التاريخ، يمكننا أن نفهم بشكل أعمق كيف أن تجاهل اللغة العربية يشكل تهديدًا للتراث الثقافي للمدينة.
ومع ذلك، ينبغي التاکيد علی أن الآبادانية ليست هي اللهجة الأصلية لسكان عبادان بل تُعتبر لهجة محلية تُستخدم في ثلاث أو أربع محلات من مرکز مدينة عبادان لاسیما محلتي "البريم" و"بویرده".
ربما يعتبر هؤلاء المهاجرون أن لهجتهم تطورت في عبادان، ولذلك يرون أن لهم الحق في تسميتها باسم المدينة. لكن هذا التصرف قد يعتبر غير منصف لأنه قد يتجاهل التراث اللغوي والثقافي للسكان الأصليين. ولا يمكن لمجموعة جديدة أو مهاجرة أن تأخذ اسمًا تاريخيًا مرتبطًا بسكان أصليين دون مراعاة هذا الإرث أو الهوية، لأن هذا قد يؤدي إلى تهميش اللغة الأصلية للسكان الأصليين.
إن التركيز على اللهجة الآبادانية في وسائل الإعلام في السنوات الأخیرة قد يُعتبر جزءًا من محاولة لتجاهل أو تقليل أهمية اللغة العربية. فبينما تُبرز اللهجة الآبادانية كأحد ملامح المدينة، من المهم أن نتذكر أن اللغة العربية كانت ولا تزال هي اللغة الأم والهوية الثقافية الرئيسية للسكان الأصليين في القری ومعظم محلات المدينة.
على الرغم من أن اللهجة الآبادانیه تُعتبر لهجة محلية، فإن العديد من الدراسات والأبحاث تغفل أو تتجاهل اللغة العربية التي كانت ولاتزال تُستخدم قبل وبعد قدوم المهاجرين. ولعل أوضح دراسة حملت اسم اللهجة الآبادانية هي رسالة مجستیر تحت عنوان " توصیف قاعده بنیاد نظام واجی گویش آبادانی" أي وصف أساس النظام الصوتي للهجة الآبادانية من قبل حنان هاشميان. یبدأ ملخص هذه الرسالة بجملة مثيرة، ترجمتها کالآتي : "ومن اللهجات التي لم يتم تسجيلها علميا وهي على وشك الانقراض هي اللهجة الآبادانية". فهذه الجملة تُشير إلى أن اللهجة الآبادانية تعتبر قديمة وعريقة وأصيلة فتطرقها لعدم التسجيل العلمي قد يعكس تاريخها الطويل أو تقليديتها.أو عندما تذكر بأنها "على وشك الانقراض"، يُفهم منها أنها تعود إلى زمن قديم، حيث كانت تُستخدم بشكل أكبر، ولكنها الآن تُواجه خطر الفقدان. ولکن الحقيقة واضحة للعیان أن عمر هذه اللهجة لا یتجاوز مئة سنة.
أحمد كعبي فلاحية هو كاتب وباحث قام بتأليف عدة كتب حول لهجة عبادان، لكنه رکز على الكلمات المتداولة في لهجة المهاجرين بدلًا من الكلمات الخاصة بالسكان الأصليين. على الرغم من أن كعبي ينتمي إلى جذور عربية ويعود إلى قبيلة حكمت جنوب الأهواز لأكثر من قرنين، إلا أن أعماله غالبًا ما تركزت على الكلمات التي استخدمها المهاجرون.

كما أن كعبي فلاحية أدرج الكلمات الهندية والإنجليزية في كتاباته، لكنه قدمها من منظور المهاجرين وليس من منظور السكان الأصليين. يُلاحظ أن المصطلحات الإنجليزية والهندية قد انتشرت أيضًا في المجتمع العربي في عبادان، لكنه أورد تلفظ المهاجرين لها وأهمل التلفظ العربي. بالتالي، تظهر أعمال كعبي كأنها تعكس التنوع اللغوي في عبادان، لكنها قد تغفل جانبًا مهمًا من الهوية الثقافية للسكان الأصليين، مما يثير تساؤلات حول كيفية تمثيل اللغة والتنوع اللغوي في الدراسات المتعلقة بهذه المدينة.

كما أن كعبي فلاحية لا يركز على مصطلحات الزراعة والملاحة، بل يغض الطرف عن التراث الثقافي واللغوي الذي تراكم لأكثر من ألف سنة. إن هذا التركيز الضيق على تأثيرات النفط قد يؤدي إلى تهميش الممارسات التقليدية في الزراعة والملاحة.
تُعتبر عبادان واحدة من أكبر حقول النخيل في الأهواز، واشتهرت بتمر البرحي الشهير الذي يُصدر إلى مناطق مختلفة. لكن غالبًا ما يتم إبراز النفط في سياقات تتعلق بمدينة عبادان، مما يقلل من أهمية الزراعة والملاحة التقليدية بسبب ارتباطها بالسکان الأصلیین، خاصة أن النخيل والملاحة يمثلان جزءًا لا يتجزأ من هوية سكان عبادان.

لذا، فإن التركيز على النفط دون الاعتراف بالأهمية الثقافية والاقتصادية للزراعة والنخيل والملاحة بمختلف أعمالها قد يؤدي إلى رؤية غير متكاملة لتاريخ وثقافة عبادان. إن تراث الزراعة والملاحة ينبغي أن يُعطى حقه من الاهتمام، نظرًا لدورهما المحوري في حياة السكان المحليين وترسيخ هويتهم.
لذا من الضروري أن یستعرض تاريخ اللغة في عبادان ويؤکد على أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية للسكان الأصليين، فالفهم العميق لهذا التاريخ يساعد في مقاومة محاولات طمس الثقافة واللغة. إن فهم هذه الديناميكيات اللغوية والتاريخية يُساعد في توضيح السياق الثقافي لمدينة عبادان، ويُسلط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث اللغوي والثقافي للسكان الأصليين في مواجهة التحديات الحديثة.
الادعاء بأن اللهجة "الآبادانیه" هي اللهجة الأصلية لسكان عبادان هو تحريف للتاريخ. الأدلة اللغوية والتاريخية تشير بوضوح إلى أن اللهجة الأصلية للمدينة هي نفس اللهجة العربية المتداولة في الدورق والبصرة والمحمرة والأهواز.

في ختام هذا التحليل، يتضح أن هوية مدينة عبادان لا يمكن فهمها بمعزل عن اللغة العربية، التي تمثل جزءًا أساسيًا من تراث السكان الأصليين. إن تجاهل أو تحريف حقيقة أن العربية هي اللغة الأصلية للمدينة يُعتبر محاولة لإقصاء ثقافة غنية ولغة تحمل تاريخًا عريقًا. لا يُمكن إنكار تأثير التحولات السكانية واللغوية، لكن هذه التأثيرات لا تغير من حقيقة أن اللغة العربية تشكل الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان عبادان.

"مطر اللوز" في التداولات الشعبية: دلالات رمزية وتاريخية

"مطر اللوز" في التداولات الشعبية: دلالات رمزية وتاريخية

توفيق النصّاري

كلمة "مطر اللوز" كانت تُستخدم في القرن الماضي للإشارة إلى الرشاش أو المدفع الرشاش، وتحمل معاني رمزية تتعلق بالقوة والشدة. تجاوزت هذه الكلمة معناها الحرفي في كثير من الأحيان لتكتسب بُعدًا مجازيًا في بعض السياقات. ومع مرور الزمن وتغير الظروف الاجتماعية والثقافية، قلّ استخدام هذه الكلمة بشكل كبير في العديد من المناطق، مثل العراق والأهواز والخليج، حتى باتت ذكرى بعيدة أو جزءًا من التراث الشعبي الذي يصعب استحضاره في السياقات المعاصرة.
كان معنى "مطر اللوز" جزءًا من اللغة اليومية، ولكن اليوم بات غامضًا أو بعيدًا عن متناول الجيل الحالي. لذلك، نجد أن هذه الكلمة غالبًا ما تُذكر بشكل عابر في الأحاديث، حيث يتم تداولها في إطار الحنين إلى الماضي أو كنوع من التحدي للمعاني ضمن منصات التواصل الاجتماعي حيث تُطرح كنوع من الأسئلة التي تثير الفضول دون أن تجد إجابة واضحة حول أصلها ومعناها الحقيقي.

في الأعراس الشعبية في الأهواز قديمًا، كانت النساء يغنين: "وياك اخذني يا مطر اللوز"، مما يعكس إشارة إلى رجل قد يكون المحبوب، وتُظهِر هذه العبارة ارتباطًا وثيقًا بالقوة والسلطة المتمثلة في هذا الرمز.

كما قد استُخدمت كلمة "مطر اللوز" في العديد من السياقات الشعرية، حيث نجدها تبرز في الأغاني والمواويل التي تمثل جزءًا من التراث الغنائي في المنطقة. ولعل الشاعر العراقي المعروف الملا عبود الكرخي (1861-1946م) كان أبرز من أبدع في توظيفها شعريًا، فقد وردت هذه الكلمة في أكثر من قصيدة له، ومنها قصيدة "المحالات"، التي قال فيها:

«يصير أنا للتیمسیه أنتمي
يصیر (مطر اللوز) يفحم قلمي
يصير تضعف عن بلادي شيمي
يصير بغله تفوق حمدانيّه»
(الکرخي، 1955م: 1/292)

يوضح الشاعر أن القوة العنيفة التي يرمز إليها "مطر اللوز" (الرشاش) لا يمكنها أن توقف قلمه، مما يعكس إصراره على التعبير عن أفكاره بحرية رغم الضغوط.

وفي قصيدة "النقّارة"، ينتقد الكرخي الأوضاع السائدة، قائلًا:

«ما شفنا من عدکم سوی الحیله وفتن
کلا ولا بیکم حميّه عالوطن
أبناء جلدتکم ضربتوهم اذا
بنبه و مطر اللوز من طیّاره»
(الکرخي، 1955م: 1/50)

استخدام "مطر اللوز" في السطر الأخير يشير إلى القصف الجوي.
كذلك، وردت الكلمة في موّال أدّاه الفنان العراقي جبار عگار (1922-2009) في الثمانينات وسط جمهور كبير بالكويت، حيث قال:

مرسوم جوه الحنچ مطر اللوز الماني
ودور فشگ ما لگی بعیونه تولاني

في هذا البیت من شعر "النايل"، يشير "مطر اللوز" إلى وشم على شكل رشاش ألماني مرسوم تحت حنك الحبيبة، مع توظيف الكلمة في سياق رمزي عاطفي يعبر عن الفتنة والجاذبية.
أما في الخليج، فقد لامست الكلمة وجدان البحارة الذين عاشوا حياة تمزج بين قسوة الأمواج وحنين الشواطئ لامست، حيث یذكر "حسین حسن مکي" في کتابه "سیهات والبحر" أن آل خريطة في سيهات بالقطيف كانوا يمتلكون سفينة جالبوت تحمل اسم مطر اللوز(2000م: 123و 136). في الخليج، عادةً ما تحمل السفن اسمين: اسم عام وآخر خاص. الاسم العام يحدد نوع السفينة واستخدامها، بينما يعكس الاسم الخاص العلاقة الشخصية أو الرمزية بين المالك وسفينته. الفارق بين الاسمين يكمن في أن الاسم العام يرتبط بالتصنيف الفني للسفينة، بينما يحمل الاسم الخاص دلالات شخصية أو تاريخية. وهنا إطلاق اسم "مطر اللوز" كاسم خاص للسفينة قد يرتبط برغبة في التعبير عن القوة والسرعة والبطش، وهي سمات تتماشى مع نفسية الرجل العربي الذي يميل إلى الفحولة. الاسم يحمل دلالات رمزية تعكس الشجاعة والقدرة على المواجهة، وقد يكون اختيارًا يعكس الفخر والتفاخر بالقوة والتفوق في بحرٍ يتسم بالتحديات.

قد يظن السامع لهذه الكلمة أن "مطر اللوز" مكون من كلمتين هما "مطر" و"لوز"، ويعلل ذلك بأن الرشاش يشبه المطر الذي يتناثر منه اللوز، كما في حالة الرصاصات التي تتناثر في الهواء مثل قطرات المطر. لكن في الواقع، كلمة مطر اللوز معرب كلمة mitrailleuse الفرنسية التي تُستخدم للإشارة إلى "الرشاش" أو المدفع الرشاش. مركبة من mitraille التي تعني "شظايا" بالفرنسية (يوسف محمد، 1996م: 790)، وهي أصلها من اللاتينية mitra بمعنى "شظية". و من لاحقة euse الفرنسية التي تُستخدم بشكل رئيسي لتحويل الأفعال إلى أسماء مؤنثة أو صفات تدل على الفاعلة أو المنفذة للعمل.
تُعدّ كلمة "مطر اللوز" أكثر من مجرد تعبير لغوي؛ إنها بوابة إلى عوالم ثقافية غنية، تنقلنا بين أصوات الرصاص وصدى الشعر، بين شجاعة البحارة وحنين العشاق. ورغم اندثار استخدامها اليومي، تظل هذه الكلمة حيةً في التراث الشعبي، شاهدة على قوة الذاكرة الجماعية وقدرتها على حفظ رموزها عبر الزمن. إن التأمل في هذه المفردة يفتح لنا نوافذ على دلالات رمزية تتجاوز حدود الزمان والمكان، مما يجعلها إرثًا ثقافيًا يستحق الدراسة والاحتفاء.

المصادر
حسین حسن مکي، سيهات والبحر: بحث تاريخي للحركة الملاحية في مدينة سيهات، دار المحجة البيضاء، 2000 م.
الملا عبود الكرخي، ديوان الکرخي، مطبعة المعارف، 1955م.
يوسف محمد، الكامل الكبير زائد قاموس اللغة الفرنسية الكلاسيكية والمعاصرة والحديثة فرنسي- عربي، مكتبة لبنان للنشر، 1996م.