دراسة تحليلية نقدية للفرضيات اللغوية المتعلقة بأصل كلمة "چويت"
توفیق النصاري
1-المقدمة
تعد دراسة أصول الكلمات جزءًا أساسيًا من علم اللغة، حيث تساهم في فهم التحولات اللغوية والتداخل الثقافي بين الشعوب. ومن بين الكلمات التي أثارت جدلًا في دراسات اللهجة كلمة "چويت"، التي تُستخدم في العراق والأهواز وبعض دول الخليج للإشارة إلى مادة زرقاء اللون تُستخدم في إكساب الملابس البيضاء زرقة خفيفة، مما يجعلها تبدو أكثر إشراقًا حيث يُذاب في الماء ثم تُنقع فيه الأقمشة للحصول على التأثير المطلوب.
رغم تراجع عملية صبغ الملابس باستخدامه، لا يزال الچُويت يُباع في بعض دكاكين العطارة والمتاجر المتخصصة ببيع الأعشاب والدواء الشعبي، حيث يُستخدم كصبغ تقليدي للملابس، محتفظًا بمكانته في بعض الأوساط التي تفضل الطرق التقليدية.
وقد اشتُق في الأهواز اسم علم من هذه الكلمة، وهو "مچوّت"، الذي كان يُطلق على الذكور في بعض الفترات الماضية. وهو اسم مفعول من "چوَّت" بمعنى "مصبوغ بالچويت". ويعكس الاسم ارتباطًا ثقافيًا عميقًا بين الأفراد والكلمات اليومية، ويُعتبر جزءًا من التراث اللغوي في المنطقة.
الإشكالية التي تعالجها الدراسة تتعلق بالجدل القائم حول أصل هذه الكلمة، حيث تعددت التفسيرات بشأن منشئها. فبينما ذهب بعض الباحثين إلى اعتبارها كلمة ذات أصل هندي، اقترح آخرون أنها مشتقة من الإنجليزية، بينما تشير الأدلة اللغوية إلى أصل عثماني تركي.
تكمن أهمية الدراسة في تفنيد الفرضيات السابقة استنادًا إلى منهج علمي دقيق يعتمد على التأصيل اللغوي، مما يسهم في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة في الدراسات المعجمية. کما ستعتمد على المنهج التاريخي المقارن لتتبع جذور الكلمة في اللغات المختلفة، مع تحليل صوتي ودلالي.
2- عرض الفرضيات حول أصل كلمة "چويت"
2-1-الفرضية الهندية
يرى بعض الباحثين أن كلمة "الچويت" ذات أصل هندي، مستندين إلى العلاقة التجارية الوثيقة بين الهند والخليج، والتي ساهمت في انتقال العديد من الكلمات.
من أوائل من أشار إلى هذا الرأي "الشيخ جلال الدين الحنفي" في معجم الألفاظ الكويتية، حيث قال: «الچويت: مادة نيلية زرقاء تذوب في الماء الصافي من أجل أن تنقع فیه الثیاب البیض، بعد الانتهاء من غسلها، فیکون في بیاضها لذلك زرقة خفيفة مرغوبة.. ]وقد کاد الچویت في بغداد ینقرض لندرة استعماله [ولعلّ اللفظة من الهندية "چیت" لنسیج من الحریر الملون» (1964م: 88).
كما تبنى هذا الرأي "ناصر حسين العبودي" في كتاب "الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة عمان" حيث قال: أن «جویت تعني (زهرة الملابس) وهي كلمة هندية. استعملت المادة بشكل عام في المنازل الخليجية» (1989م: ص 77).
وتكرر هذا الطرح في كتاب "نورة القاسمي"، "الوجود الهندي في الخليج العربي (1820-1947)"، حیث قالت: «كما انتشرت بعض الكلمات الهندية داخل المنازل العربية في الخليج مثل "بنكه" وهي مروحة الهواء، و"تاوه" وهي آنية عمل الخبز، و"موري" وتعني حوض غسيل اليد، و"بتات مفاصل الباب" و"بالدي" وهو السطل، و"بوجلي" مصباح اليد بالبطارية و "بته" وتعني ورقة اللعب وهي مشتقة من الكلمة الهندية "بته" أي رزمة ورق، وجويت وتعني زهرة الملابس ...» (1996م: 25).
أما الباحث الأهوازي عبدالأمير الشويکي فقد نقل هندية الکلمة من "معجم الألفاظ الدخيلة في اللهجة العراقية وقد وضع الاختصار (م. الفظ.د) أمام الاقتباس. قال الشويکي في موسوعة اللهجة الأهوازية: «چويت (هن): «چويت مادَّة زرقاء اللون على هيئة مکعبات والمادَّة هذه مستخلصة من النَّبات المعروف باسم النيل وتذاب في الماء الصَّافي بنسبة مُعيَّنة ثمَّ تنقَّع فيها الملابس البيضاء فقط، لتکتسب زُرقة خفيفة. يقال: «دشداشة امچوِّته». چويت: هندية: (م. الفظ.د)» (2015م: 215).
إن التشابه اللفظي بين الكلمات في كثير من الأحيان قد يُضلل الباحثين، فيقودهم إلى استنتاجات خاطئة إذا اعتمدوا عليه فقط دون التحقق من أصل الكلمة ودلالتها الدقيقة. الحنفي، على سبيل المثال، لاحظ أن "الچيت" في الهندية تشير إلى نوع من الأقمشة، فظن أن "الچويت" لها نفس الأصل. لكن التشابه الصوتي وحده لا يُعد دليلًا كافيًا على ذلك، ففي عالم اللغات واللهجات قد تتشابه الكلمات في النطق، لكن أصولها ومعانيها قد تكون مختلفة تمامًا.
بالنسبة للباحث ناصر حسين العبودي، فقد اكتفى بالإشارة إلى الكلمة الهندية دون أن يقدم لنا الكلمة الأصلية بحروفها الهندية أو دلالتها الدقيقة. وكأن الأمر كله مجرد لعبة كلمات.
کما أن الباحثة "نورة القاسمي"، فقد اكتفت أيضًا بذكر أن الكلمة هندية دون توضيح مصدرها أو كيف تُستخدم في سياقها الأصلي. هذا، بالطبع، لا يساعد كثيرًا في عملية التوثيق العلمي أو تصحيح الفرضيات.
أما الباحث عبدالأمير الشويكي، فقد اكتفى بنقل ما ورد في معجم الألفاظ الدخيلة العراقية حول نسبة الكلمة للهندية دون أن يقدم أي تحليل أو دليل إضافي على أصل الكلمة. فكل ما فعل هو اقتباس ما ذكره المعجم دون فحص أو تحقق من دلالته اللغوية أو السياقية. وهنا تكمن المشكلة: المعجم قد يشير إلى أن الكلمة هندية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا الاستنتاج دقيق أو مستند إلى دراسة لغوية معمقة. إذ كان من الأفضل أن يعمد إلى فحص أعمق للكلمة في سياقها الهندي الأصلي، خاصة في حال غياب دليل واضح يثبت ذلك.
وبالنسبة إلى جميع الباحثين المذكوين، فإن القول بأن كلمة "الچويت" تنحدر من الهندية دون تقديم الكلمة الأصلية بحروفها الهندية أو دلالتها في السياق الهندي هو إغفال خطير. من أجل أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، يجب دائمًا ذكر الكلمة بحروفها الأصلية، مع توضيح معناها في لغتها الأم. هذا ليس فقط لتعزيز مصداقية البحث، ولكن أيضًا لإعطاء القارئ الفرصة للتحقق من المعلومات بشكل مستقل.
وعندما تحققنا من الكلمة الهندية المستخدمة للمادة، وجدنا أن الكلمة هي 'नील' (نِل)، وهي تختلف تمامًا عن "الچويت". وهكذا، فإن نسبة الكلمة للهندية تبقى فرضية ضعيفة، تفتقر إلى أي دليل لغوي حاسم، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول صحة هذه الاستنتاجات.
2-2-الفرضية الإنجليزية
طرح بعض الباحثين فرضية أن الكلمة مشتقة من الإنجليزية، حيث قال "حمد السعيدان" في "موسوعة الكويت المختصرة" أن الچویت «مسحوق أزرق يُضاف إلى غسيل الثياب البيضاء ويُغير من بياضها، حيث يعطيها زرقة خفيفة وتبدو ناصعة، وقد عرف الكويتيون هذه المادة من الهنود ونقلوها محرفة من الإنجليزية "چنجوایت" (Change White) لأن هذا المسحوق الأزرق يُستعمل لتغيير اللون الأبيض من الملابس فقط» (1981م: 1/374).
وبعد عقدين من الزمن، نقل سعد المبخوت في "أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية" نفس الرأي دون أن يشير إلى أنه اقتبسه من السعيدان، فقال: «... چویت: Change White مادة زرقاء تضاف على الغسيل لتعطيه بياضًا وزرقة خفيفة» (2001م: 60).
وفي كتاب "عتيج الصوف في الكلمات والحروف" المطبوع سنة 2010م، نقل أنس عيسى ماجد الشاهين رأي السعيدان، حيث كتب: «(الجويت) هو ذلك المسحوق الأزرق الذي يُخلط مع الماء أثناء غسل الملابس البيضاء بحيث يعطيها زُرقة بسيطة فتظهر بيضاء ناصعة. يسميه البعض (زهَر). المرحوم حمد السعيدان أشار في الجزء الأول من (الموسوعة الكويتية المختصرة) إلى أن الكويتيين نقلوا هذه المادة من الهنود الذين نقلوها بدورهم من الإنجليزية فحرّفوا اسمها الأصلي "Change White"، حيث إن هذه المادة تعمل على تغيير لون الملابس البيضاء» (2010م: 84).
عند اقتراح أصل جديد أو غير تقليدي لكلمة ما، يجب أن يكون الباحث شفافًا بشأن طبيعة افتراضاته وأن يوضح أنها مجرد فرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق. النقد العلمي السليم يعتمد على الشفافية، وعدم إقحام فرضيات غير موثقة كحقائق مسلم بها، مما يضمن مصداقية البحث واستمرارية الحوار العلمي البناء.
بعض الباحثين، عندما يعجزون عن إيجاد أصل مباشر لكلمة معينة، يلجأون إلى اختراع تراكيب لغوية غير موثقة لملء هذا الفراغ، ويقترحونها كأصل. هذا الأسلوب، رغم أنه قد يبدو مبدعًا، إلا أنه يفتقر إلى الدقة العلمية ويمكن أن يؤدي إلى استنتاجات خاطئة.
المشكلة الأساسية في تأصيل السعيدان هي أن تركيب "Change White" يجب أن يكون موثقًا بشكل جيد في نصوص أو سجلات لغوية تعود إلى اللغة الإنجليزية. إذا كانت كلمات معينة موجودة بشكل منفرد في اللغة، لكنها لم تُستخدم أبدًا معًا في تركيب معين، فليس من الصحيح افتراض أن ذلك التركيب قد وُجد بالفعل. يجب على الباحث أن يعتمد على شواهد نصية أو تاريخية مؤكدة عند اقتراح أصول للكلمات.
في المجمل، اختراع السعيدان لتركيب "چنجوایت" (Change White) ساهم في نشر معلومات مغلوطة، لذا من المهم أن يتحلى الباحثون بالانضباط الأكاديمي والاعتماد على الأدلة اللغوية الموثوقة فقط.
أما عن تكرار الخطأ، فهذا من أمراض البحوث؛ فيرتكب أحد الباحثين خطأً ثم يتبعه الآخرون ظنًا منهم بأن ما كُتب هو الصواب، خاصة إذا كان الباحث المأخوذ عنه يتمتع بشهرة ومكانة عالية. وهنا نقل الباحثان "سعد المبخوت" و"أنس عيسى" رأيًا غير صائب، فساهموا في نشره على نطاق أوسع.
3- الأصل التركي للكلمة
وردت کلمة کلمة الچويت في معجم اللغة العثمانية المسمی "الدراري اللامعات في منتخبات اللغات"، بشکل «چویت: نور. نیلج "نیل"» (محمد علي الأنسي، د.ت: 221). وذکرها المعجم الترکي الإنجليزي المسمى "A Lexicon, English and Turkish" والمطبوع قبل سقوط الإمبراطورية/ الخلافة العثمانية بشکل "چويت" أيضًا (Sir James William Redhouse, 1860:430) . والملاحظ هنا أن هذه الكلمة لم تشهد تغييرات صوتية أو دلالية في اللهجة، فهي تُنطق كما ينطقها التركي، والدلالة بقيت كما هي.
وعندما تم استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية في اللغة التركية في زمن آتاتورك، وأُطلق على اللغة اسم "التركية الحديثة"، أصبحت كلمة "چویت" تُكتب بشكل " Çivit"، وهي مادة تتخذ من أوراق نبات چویت Çivit /. والچويت نبات عشبي عمره عامين وله أزهار صفراء زاهية. يتم الحصول على الصبغة الزرقاء عن طريق تخمير أوراق النبات. موطن الچویت هو سفوح القوقاز وانتشر من أقصى الشرق إلى جبال الهيمالايا. ينمو ما يقرب من 30 نوعًا من الچویت بشكل طبيعي في تركيا.
وقد ورد الچويت Çivit في مجموعة من القوامیس منها القاموس الترکي الأردي المسمی Turkī Urdū lughat " "، " (Muhammad Sabir,1968: 52) وفي قاموس راهنما الترکي/ الفارسي/ الإنجليزي المسمی
Rahnama Turkish English-Persian Dictionary
(A.A. Rastrow, 2002: 87).
وفي معجم الترکي الفارسي (محمد کامار، 1995م:88).
الخاتمة
بعد تحليل الفرضيات المختلفة المتعلقة بأصل كلمة "الچويت"، يتضح أن الأصل العثماني هو الأكثر ترجيحًا، نظرًا لوجود تطابق واضح في المعنى والنطق بين الكلمة العثمانية "چويت" والكلمة المستخدمة في اللهجات العربية. كما أن تتبع التاريخ اللغوي للكلمات والظروف التي شهدت انتقالها بين اللغات يقدم رؤى أعمق حول كيفية دخول هذه الكلمة إلى العربية، مدفوعة بالاتصالات الثقافية والتجارية بين العرب والعثمانيين.
المصادر
أنس عیسی ماجد الشاهین، عتيج الصوف في الکلمات والحروف، 2010م.
حمد محمّد السعيدان، الموسوعة الكويتيَّة المختصرة، الكويت: وكالة المطبوعات، 1981م.
جلال الدين الحنفي، معجم الألفاظ الکويتية، بغداد: مطبعة الأسد، 1964م.
سعد المبخوت، اصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية، 2001م.
عبدالأمير الشّويكي، موسوعة اللَّهْجَة الأهوازيَّة، قم، أنوار الهدى، 2015م.
محمّد علي الأنسي، قاموس اللُّغَة العثمانيَّة، د.ت.
محمّد كانار، فرهنگ جامع تركی استانبولی به فارسی، تهران: انتشارات شيرين، 1995م.
ناصر حسین العبودي، الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة عمان، مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية،1989م.
نورة محمد القاسمي، الوجود الهندي في الخليج العربي1820-1947، دائرة الثقافة والاعلام، 1996م.
Muhammad Sabir, Turkī Urdū lughat, Taraqqī-yi Urdū Borḍ ke ishtirāk o muʻāvanat-i mālī se Lāʼibrerī Promoshan Biyoriyo, 1968.
A.A. Rastrow, Rahnama Turkish-English-Persian Dictionary, Rahnama, 2002.
Sir James William Redhouse, A Lexicon, English and Turkish, Oriental Literature Society, 1860.