النخيلة وتمثلاتها في الشعر العامي
توفیق النصاري
الدارس للتراث العربي وشعر ما قبل الاسلام یعرف جيدًا أهمية الضفيرة التي تعدّ في شعر الغزل العربي رمزًا مهمًا للجمال والأنوثة، ووسيلة للتعبير عن مدى افتتان الشاعر بمحبوبته. ومثلما عرفت الضفيرة بعدة أسماء في اللغة العربية فإنها أخذت تسميات مختلفة في اللهجات العربية.
أطلقت کلمة "النخيلة" في العامية العراقية والأهوازية علی الضفيرة المفتولة علی شکل نخلة صغيرة لعلاقة المشابهة وهذه الکلمة ظلت مستخدمة حتی السبعينيات إلا أنها بدأت تختفي شيئًا فشيئًا وربما لا يعرف معظم الناس معناها ودلالاتها. استخدم الشاعر طعان بن علوان (1892 - 1952) من الأهواز القديمة هذه الكلمة بهذه الدلالة في قصيدته "الصبية" بقوله:
سعيد الّي گعد وياه بس ليله
على كيفه دلع ومفرّع نخيله
هذا البيت يمجد اللحظة التي يكون فيها الإنسان سعيدًا ليشهد الحبيبة في حالة من الدلال والمرح مسترخية، تتصرف بعفوية وتظهر جمالها في أبسط حالاته حيث يكون فتح نخيلتها (ضفيرتها) رمزًا لتحررها من القيود والتزين بجمال طبيعي.
کما أن الشاعر اسماعيل بن عیسي الفیصلي من العريّض التابعة للمحمرة استخدم النخيلة في قصيدة تبدأ بـ "شنطر بالدرب..." :
ثلث نسوان مایگضن فرد لیله
من ایسفن شعرها سفة نخیلة
وهذا البیت المقتطع من إحدی قصائد الشاعر يُظهر نوعًا من المبالغة في وصف شعر الحبيبة من خلال الإشارة إلى أن ثلاث نساء، حتى لو اجتمعن معًا، لن يستطعن إنهاء تسريحة شعرها التي تُسمى "النخيلة" في ليلة واحدة.التأويل هنا يُعبر عن شدة إعجاب المتحدث بجمال شعر الحبيبة وكثافته وتعقيده، إلى درجة أن تسريحه يتطلب جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا.
بعيدًا عن المعنی اللغوي لکلمة نخيلة وظّف الشاعر عادل السكراني "النخيلة" توظيفًا رمزيًا فـ"عهد النخيلة" أو"عصر النخيلة" أي عصر الضفيرة المفتولة علی هيئة نخلة صغيرة، لدی السکراني هو الزمن الجميل المليء بالمعاني والقيم حيث كان الشعر والحب في أوجها هو العصر الذهبي أو الزمن الجميل الذي کانت سبعينيات القرن الماضي تمثل ذروته، فیمکن اعتبار عبارة "عصر النخيلة" رمزًا شخصيًا لأن الشاعر قد ابتکره، وملأه بدلاﻟﺔ مستمدة من تجربة شخصية. يکتب السکراني بین سنتي 1985 و 1987 ، تخمينًا:
«عادِل» إي والشَّوگ والحب، «عادِل»، إي
: شِعري بْعصر المتافِه عادىٰ لِي !
لَو سَمَر عهد (النِّخَيلَه) عاد إلي
طالبت شيطان شعري بْألف (هات) !
في هذا البیت من شعر الهات يشير الشاعر إلى صراع بين مشاعره وشعره في "عصر المتافة"، حيث يبدو أن الشعر أصبح عدوًا له في هذا العصر الفارغ من المعنى والجمال، على عكس "عصر النخيلة" الذي يمثل بالنسبة له زمنًا مليئًا بالحب والشوق. استخدامه للعبارة "عادَىٰ لِي" يعبر عن شعوره بأن الشعر الذي كان مصدر إلهام وسعادة في الماضي قد أصبح الآن ثقيلًا ومعاديًا له. ويعبر الشاعر عن رغبته في العودة إلى ذلك الزمن الجميل (عهد النخيلة) حيث يمكنه مطالبة "شيطان شعره" بالكثير من الالهام. ويعود سنة 2007 م للنخيلة فیکتب:
حيل، (عَصر اللّانخَيْلَه) بينا خلّ
و إحنَ ما نگدر - يَا خلْنا -، بي ، نِخِلّ!
بِينا خَلّ يِلعَب زمنَّا، بِيْنَا خَلّ
يِخِلّ، مِن بَعد ( النِّخَيْلَه)، اش ما هِوَىٰ !
وفي هذا البیت من شعر العتابا، يصف الشاعر التحول من "عصر النخيلة" إلى "عصر اللانخيلة" (الزمن الحالي)، معبرًا عن خيبة الأمل والضياع. استخدامه لكلمة "خلّ" يشير إلى أن الزمن الجديد تركهم في حالة من الفوضى والضياع، فهم لا يستطيعون التکيّف مع هذا الزمن الفارغ من الجمال. يظهر الشاعر استسلامًا أو شعورًا بالعجز بقوله" إحنَ ما نگدر" تجاه هذا التحول، مما يعكس حالة من اليأس والإحباط. والبیتان یعكسان مشاعر الشاعر تجاه الزمنين المختلفين، "عصر النخيلة" و "عصر اللانخيلة" (عصر المتافة).
و التصقت کلمة النخيلة بقالب من الشعر العامي اسمه "ابو نخيلة" وهو لون من ألوان الشّعر المکتوب باللغة العامية، ینتشر في الأهواز (عربستان) والعراق یتکوّن من أربعة أشطر علی وزن "مستفعلن مستفعلن مستفعل"، الثلاثة الأولی منها ذات قواف مجنسة جناسًا كاملًا، والرابع يختم بکلمة علی وزن "میمر". وقد سُمي بـ "البونخیله" لأنه یبدأ دائمًا بجملة " یا ابو النخیله" أي يا أيها الذي ضفيرتک مضفورة علی شکل نخلة صغيرة .... .
و ابو نخیله داخل حوزة الميمر من حيث الوزن والنهاية وتعداد الأسطر، لكنه افترق عنه باضافة لازمة لكل بيت يقولها الشاعر هي "یا ابونخيلة". وأغلب المصادر نسبت ابو نخیله للشاعر العراقي "حسين ابن حصموت" حيث هو أوّل من أضأف هذه اللازمة علی شعر المیمر وداوم علی استخدامها حتی صار یعرف کقالب آخر عن المیمر مع أنه لا توجد اختلافات بین القالبین. ومن شعراء النصف الأوّل من القرن العشرين في الأهواز الذین کتبوا البو نخیلة يمکن الإشارة إلی "یفیر البحير"، یکتب يفير:
يابو النخيله على المتن منتوله
تصبح لحيته مْنسّله منتوله
چان هل شبعه صدگ من (توله)
اش حال لو نشبع طبیخ محمّر؟
یقال في يوم من الأيام، دعي يفير (جفير) من قبل أحد أصدقائه إلى مائدة غداء. وعندما حان وقت تناول الطعام، تفاجأ "يفير" بما قُدم له، إذ كان على خلاف ما كان يتوقعه. فقد قدّم له طبقًا من "التولة" (حميسة الخباز) وبدأ يمجد هذا الطبق ويذکر مكوناته المختلفة، مؤكدًا أنه طازج وقد طُبخ بيد طاهٍ ماهر (أي زوجته)، وأنه قد أضيفت إليه مكونات خاصة، ولم يكتفِ بذلك، بل استمر في وصف الطبق حتى أثار مشاعر "يفير" الجياشة، فارتجل هذا البيت.