حقيقة اللهجة الآبادانية: دفاع عن لغة سكان عبادان الأصليين
حقيقة اللهجة الآبادانية: دفاع عن لغة سكان عبادان الأصليين
توفيق النصاري
في السنوات الأخيرة، برزت ما يُعرف باللهجة الآبادانية في وسائل الإعلام. هذا التعبير لم یکن رائجا قبل ثلاث أو اربع عقود لکنه أصبح اليوم يتداول بکثرة سواء علی مستوی الدراسات أم المنشورات في شبکات التواصل الاجتماعي.
اللهجة الآبادانية تعني اللهجة المنسوبة لـ"آبادان" وهو الاسم الذي وضعه رضاخان البهلوي سنة 1935 بعد القضاء علی حکم الشیخ خزعل، تحريفًا لاسم"عبادان" الذي كان معروفًا منذ قرون وواردًا في الشعر والنثر العربي وأبرز مثال علی ذلك هو استخدام الشاعر المعروف أبو العتاهية هذا الاسم بقوله: "سَقى اللَهُ عَبّادان غَيثاً مُجَلَّلاً/ فَإِنَّ لَها فَضلاً جَديداً وَأَوَّلا".
يُشير مصطلح "اللهجة الآبادانية" إلى لهجة فارسية متشكلة من امتزاج لهجة عجم أبوشهر والشیرازيين والاصفهانيين وغيرهم ممن تدفقوا إلى المدينة بعد إنشاء مصفاة النفط مع الکلمات العربية والهندية والإنجليزية. لكن تُعتبر لهجة عجم أبوشهر العمود الفقري لما یسمی اللهجة " الآبادانية"، حيث تتأثر هذه الأخيرة بشكل كبير بالعناصر اللغوية والثقافية لللهجة الأبوشهرية. تتجلى هذه التأثيرات في المفردات، وأسلوب التعبير، ونبرة الكلام.
مع إنشاء مصفاة النفط عام 1912، بدأت عبادان تشهد تغيّرات سكانية كبيرة. هاجر الآلاف من العمال والموظفين غير العرب من مناطق مثل أبوشهر، شيراز، اصفهان و ... إلى عبادان للعمل في المصفاة، مما أدى إلى تغييرات ملحوظة في التركيبة السكانية للمدينة.
وقبل إطلاق مصفاة النفط، كانت جميع المناطق المسكونة في المدينة عربية. من أبرز المصادر التي تُصوِّر عبادان قبل النفط هو كتاب البريطاني لوريمر "دليل الخليج"، الصادر في عام 1908. في هذا العمل، ذكر لوريمر قبائل عبادان (الدريس، النصار والمحيسن)، وأسماء المناطق التي يقطنونها، مما ساهم في بناء صورة واضحة عن الحياة اليومية في تلك الفترة.
ولا يمكن فصل هذا التغيير عن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، خاصة بعد سنة 1925م. منذ ذلك الحين، اتبعت السلطة سياسات ممنهجة تهدف إلى فرض الهوية الفارسية. محاولات فرض الهوية الفارسية تضمنت إجراءات لطمس الهوية اللغوية للسكان العرب، حيث تم حذف اللغة العربية رسميًا. في الوقت ذاته، شُجع المهاجرون على الاستقرار في المناطق العربية لتعزيز التحول الديموغرافي. هذه السياسات ليست مجرد تحولات طبيعية بل هي جزء من مشروع سياسي لتغيير التركيبة الثقافية والديموغرافية للمنطقة، ما أدى إلى تهميش اللغة العربية وحصرها في أطر ضيقة.
ومع ذلك، استمر السكان العرب في استخدام لغتهم العربية في الحياة اليومية متمسكين بهويتهم، رغم الضغوط السياسية والاجتماعية التي حاولت فرض الفارسية. ويُعتبر استمرار وجود الأحياء والأسواق والقری في عبادان دليلًا حيًا على أن الهوية العربية لا تزال حية، رغم كل محاولات الطمس. هذا التمسك باللغة يعكس رفضًا لمحاولات تهميش السكان الأصليين وإلغاء ثقافتهم.
تسکن مدينة عبادان اليوم غالبية عربية في أحياء مثل: السلیچ، شطیط، الطابوگ، العلوانية، الثوامر، الطویشة، الرميلة، الفيّة، معمرة صنگور، الشاخة، السدة، أما القری فجميعها ویبلغ عددها حاليا 70 قرية تتحدث العربية، مما يعكس الارتباط العميق للسكان الأصليين بتراثهم ولغتهم. على عكس ذلك، لا توجد أي قرية خاصة بالمهاجرين.
برزت في الستينيات فصاعدًا مجموعة من المطربين الذين أدوا الأغاني باللغة العربية واشتهروا على صعيد إقليم الأهواز، لا عبادان وحدها. من بين هؤلاء المطربين يمكن أن نذكر السيد جواد، عبدالأمير عيداني، و
عبدالأمير إدريس، أحمد كنعاني، علاوي أبو حسين، ناصر حلافي، حسين أبو علي، خضير أبو عنب، عبدالإمام عچرش، وغيرهم الكثير.
أما في مجال الشعر، فمنذ حقبة الشيخ خزعل وإلى اليوم، لم تخلو عبادان من الشعراء الذين أثروا الساحة بالشعر الشعبي. ومن أبرز هؤلاء الشعراء طاهر إسحاق القيم، ياسر القيم، مصطفى القيم، مذخور النصاري، عیسی المذخور، السيد علوان الخمیسي، الملا عمران العبادي، وغيرهم. رغم إنجازاتهم، فإن هؤلاء قد تعرضوا أيضًا للتهميش والإقصاء عن الأضواء في الدراسات التي کتبت عن عبادان. إن هذا التهميش يعكس واقعًا مؤلمًا يحتاج إلى تغيير، حيث يجب إحياء التراث الثقافي والفني لهؤلاء الفنانين والشعراء، وتعزيز مكانتهم في الذاكرة الجمعية للمجتمع.
يعتبر السکان الأصلیین أن لهجتهم جزء من هويتهم الثقافية والتاريخية فإن أي محاولة لتسمية لهجة أخرى بهذا الاسم قد تُفهم على أنها محاولة لتهميشهم أو محو هويتهم. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بل هي جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان المدينة الأصليين؛ إنها مرآة للهوية والتاريخ.
والعربية في عبادان كانت مرتبطة بتاريخهم، وعاداتهم، وشعائرهم الدينية، وحتى في الأغاني الشعبية والشعر الذي يعكس روح المنطقة وتراثها وبالتالي، فإن محاولات تحريف هذا التاريخ أو إدعاء أن "الآبادانية" هي اللغة الأصلية تعتبر تهميشًا مقصودًا لهويتهم.
قبل التحولات الاقتصادية التي أحدثها النفط، كان جمیع سكان عبادان يتحدثون عربية متأثرة بشكل مباشر بالبيئة المحلية والعادات الثقافية. وقد تميزت بتشابهها مع عربيات المناطق المحيطة مثل الدورق والبصرة، مما يعكس الترابط الثقافي واللغوي بين المجتمعات العربية. لكن مع ازدياد الضغط الاقتصادي والهجرة من مناطق أخرى في إيران، بدأت اللغة والثقافة الأصلية تتعرضان لتحديات جديدة، مما ساهم في تهميش اللغة العربية في مرکز المدينة وظهور لهجة جديدة متأثرة بالثقافات الأخرى.
تعتبر هذه الخلفية التاريخية ضرورية لفهم التحولات اللغوية التي شهدتها عبادان وكيف أثرت على الهوية الثقافية للسكان الأصليين. من خلال تسليط الضوء على هذا التاريخ، يمكننا أن نفهم بشكل أعمق كيف أن تجاهل اللغة العربية يشكل تهديدًا للتراث الثقافي للمدينة.
ومع ذلك، ينبغي التاکيد علی أن الآبادانية ليست هي اللهجة الأصلية لسكان عبادان بل تُعتبر لهجة محلية تُستخدم في ثلاث أو أربع محلات من مرکز مدينة عبادان لاسیما محلتي "البريم" و"بویرده".
ربما يعتبر هؤلاء المهاجرون أن لهجتهم تطورت في عبادان، ولذلك يرون أن لهم الحق في تسميتها باسم المدينة. لكن هذا التصرف قد يعتبر غير منصف لأنه قد يتجاهل التراث اللغوي والثقافي للسكان الأصليين. ولا يمكن لمجموعة جديدة أو مهاجرة أن تأخذ اسمًا تاريخيًا مرتبطًا بسكان أصليين دون مراعاة هذا الإرث أو الهوية، لأن هذا قد يؤدي إلى تهميش اللغة الأصلية للسكان الأصليين.
إن التركيز على اللهجة الآبادانية في وسائل الإعلام في السنوات الأخیرة قد يُعتبر جزءًا من محاولة لتجاهل أو تقليل أهمية اللغة العربية. فبينما تُبرز اللهجة الآبادانية كأحد ملامح المدينة، من المهم أن نتذكر أن اللغة العربية كانت ولا تزال هي اللغة الأم والهوية الثقافية الرئيسية للسكان الأصليين في القری ومعظم محلات المدينة.
على الرغم من أن اللهجة الآبادانیه تُعتبر لهجة محلية، فإن العديد من الدراسات والأبحاث تغفل أو تتجاهل اللغة العربية التي كانت ولاتزال تُستخدم قبل وبعد قدوم المهاجرين. ولعل أوضح دراسة حملت اسم اللهجة الآبادانية هي رسالة مجستیر تحت عنوان " توصیف قاعده بنیاد نظام واجی گویش آبادانی" أي وصف أساس النظام الصوتي للهجة الآبادانية من قبل حنان هاشميان. یبدأ ملخص هذه الرسالة بجملة مثيرة، ترجمتها کالآتي : "ومن اللهجات التي لم يتم تسجيلها علميا وهي على وشك الانقراض هي اللهجة الآبادانية". فهذه الجملة تُشير إلى أن اللهجة الآبادانية تعتبر قديمة وعريقة وأصيلة فتطرقها لعدم التسجيل العلمي قد يعكس تاريخها الطويل أو تقليديتها.أو عندما تذكر بأنها "على وشك الانقراض"، يُفهم منها أنها تعود إلى زمن قديم، حيث كانت تُستخدم بشكل أكبر، ولكنها الآن تُواجه خطر الفقدان. ولکن الحقيقة واضحة للعیان أن عمر هذه اللهجة لا یتجاوز مئة سنة.
أحمد كعبي فلاحية هو كاتب وباحث قام بتأليف عدة كتب حول لهجة عبادان، لكنه رکز على الكلمات المتداولة في لهجة المهاجرين بدلًا من الكلمات الخاصة بالسكان الأصليين. على الرغم من أن كعبي ينتمي إلى جذور عربية ويعود إلى قبيلة حكمت جنوب الأهواز لأكثر من قرنين، إلا أن أعماله غالبًا ما تركزت على الكلمات التي استخدمها المهاجرون.
كما أن كعبي فلاحية أدرج الكلمات الهندية والإنجليزية في كتاباته، لكنه قدمها من منظور المهاجرين وليس من منظور السكان الأصليين. يُلاحظ أن المصطلحات الإنجليزية والهندية قد انتشرت أيضًا في المجتمع العربي في عبادان، لكنه أورد تلفظ المهاجرين لها وأهمل التلفظ العربي. بالتالي، تظهر أعمال كعبي كأنها تعكس التنوع اللغوي في عبادان، لكنها قد تغفل جانبًا مهمًا من الهوية الثقافية للسكان الأصليين، مما يثير تساؤلات حول كيفية تمثيل اللغة والتنوع اللغوي في الدراسات المتعلقة بهذه المدينة.
كما أن كعبي فلاحية لا يركز على مصطلحات الزراعة والملاحة، بل يغض الطرف عن التراث الثقافي واللغوي الذي تراكم لأكثر من ألف سنة. إن هذا التركيز الضيق على تأثيرات النفط قد يؤدي إلى تهميش الممارسات التقليدية في الزراعة والملاحة.
تُعتبر عبادان واحدة من أكبر حقول النخيل في الأهواز، واشتهرت بتمر البرحي الشهير الذي يُصدر إلى مناطق مختلفة. لكن غالبًا ما يتم إبراز النفط في سياقات تتعلق بمدينة عبادان، مما يقلل من أهمية الزراعة والملاحة التقليدية بسبب ارتباطها بالسکان الأصلیین، خاصة أن النخيل والملاحة يمثلان جزءًا لا يتجزأ من هوية سكان عبادان.
لذا، فإن التركيز على النفط دون الاعتراف بالأهمية الثقافية والاقتصادية للزراعة والنخيل والملاحة بمختلف أعمالها قد يؤدي إلى رؤية غير متكاملة لتاريخ وثقافة عبادان. إن تراث الزراعة والملاحة ينبغي أن يُعطى حقه من الاهتمام، نظرًا لدورهما المحوري في حياة السكان المحليين وترسيخ هويتهم.
لذا من الضروري أن یستعرض تاريخ اللغة في عبادان ويؤکد على أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية للسكان الأصليين، فالفهم العميق لهذا التاريخ يساعد في مقاومة محاولات طمس الثقافة واللغة. إن فهم هذه الديناميكيات اللغوية والتاريخية يُساعد في توضيح السياق الثقافي لمدينة عبادان، ويُسلط الضوء على أهمية الحفاظ على التراث اللغوي والثقافي للسكان الأصليين في مواجهة التحديات الحديثة.
الادعاء بأن اللهجة "الآبادانیه" هي اللهجة الأصلية لسكان عبادان هو تحريف للتاريخ. الأدلة اللغوية والتاريخية تشير بوضوح إلى أن اللهجة الأصلية للمدينة هي نفس اللهجة العربية المتداولة في الدورق والبصرة والمحمرة والأهواز.
في ختام هذا التحليل، يتضح أن هوية مدينة عبادان لا يمكن فهمها بمعزل عن اللغة العربية، التي تمثل جزءًا أساسيًا من تراث السكان الأصليين. إن تجاهل أو تحريف حقيقة أن العربية هي اللغة الأصلية للمدينة يُعتبر محاولة لإقصاء ثقافة غنية ولغة تحمل تاريخًا عريقًا. لا يُمكن إنكار تأثير التحولات السكانية واللغوية، لكن هذه التأثيرات لا تغير من حقيقة أن اللغة العربية تشكل الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان عبادان.
