"ريوگ العيد": تقليد يعكس الروابط الاجتماعية في الأهواز

"ريوگ العيد": تقليد يعكس الروابط الاجتماعية في الأهواز

توفيق النصاري

المقدمة
يُعد "ريوگ العيد" أو "إفطار العيد" تقليدًا اجتماعيًا راسخًا في الأهواز، حيث يجتمع الأهالي بعد صلاة العيد حول موائد الإفطار التي تعكس روح التضامن والاحتفال. ورغم تغيرات الزمن والانتقالات السكانية، لا تزال بعض الأحياء تحافظ على هذه العادة التي تعد جزءًا من الهوية الثقافية للأهوازيين. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل هذا التقليد، اختلافاته وأثر التحولات الاجتماعية عليه.

1. ريوگ العيد: طقس اجتماعي يمتد عبر الأجيال

تمثل هذه العادة جزءًا من التقاليد العيد في الأهواز، حيث كان أهالي القرى والأحياء يتجمعون لتناول الإفطار جماعياً بعد صلاة العيد. كان هذا الإفطار يعزز الروابط الاجتماعية ويخلق أجواء من الفرح، حيث تقدم فيه أكلات تقليدية خاصة بالمناسبة، والتي بقيت ثابتة رغم تغيرات الزمن.

2. تأثير التحولات الاجتماعية على استمرار العادة

مع التغيرات التي طرأت على الأهواز منذ الثمانينيات، وخاصة بسبب الحرب والهجرة الداخلية التي أدت إلى إخلاء عشرات القرى وانتقال السكان إلى المدن، تراجعت هذه العادة في العديد من المناطق. لم يعد تجمع الأهالي لتناول الإفطار في صباح العيد كما كان في السابق، وإن ظلت العادة قائمة في بعض الأحياء ولكن بشكل أقل وضوحًا وقوة.

3. الأهمية الثقافية والاجتماعية لريوگ العيد
يتحدث الأهوازيون عن هذه العادة باعتبارها جزءًا من تراثهم الثقافي والاجتماعي، مشيرين إلى دورها في تعزيز الروابط الأسرية والشعور بالانتماء للمجتمع. في الماضي، كانت هذه التجمعات تتم على نطاق أوسع وأكثر انتظامًا، مما يعكس التغيرات الثقافية والاجتماعية التي مرت بها المنطقة على مر السنين.

4. الأكلات التقليدية لريوگ العيد في الأهواز

سكان الأهوار وضفاف الأنهر الذين يربون الجاموس، وعادة ما يُشار إليهم بمصطلح "المعدان"، لديهم وجبة تقليدية خاصة في عيد الفطر، حيث يتناولون "تمن العنبر" مع "الروبة" (اللبن الرائب) و"الدهن" في صباح العيد. يعود اختيار هذه الوجبة إلى وفرة منتجات الألبان في حياتهم اليومية، نظرًا لاعتمادهم على تربية الجاموس، مما يعكس بساطة حياتهم وارتباطهم الوثيق بالطبيعة.
على الجانب الآخر، يُعد السمك المقلي أحد الأطباق التقليدية المرتبطة بسكان القرى المستقرة لاسيما سكان قرى شط العرب، الذين يزرعون النخيل وعادة ما يُشار إليهم بـ"الحضر".

5. استمرار العادة في بعض القرى والمناطق
رغم تراجع عادة الريوگ الجماعي، لا تزال بعض القرى والمناطق تحافظ عليها، مما يعكس تمسك الأهالي بتقاليدهم. على سبيل المثال، في قرية " البوبالد" التابعة للفلاحية، يجتمع الأهالي صباح العيد في بيت "قاسم ابن كرينت"، حيث يتم تحضير وتناول التمن مع الروبة، وسط أجواء اجتماعية دافئة تجمع الكبار والصغار. أما في منطقة الحرشة (گامیش آباد) بمدينة الأهواز، فيحرص الأهالي على الاجتماع في بيت "الملا مالك بن حنوش الناصري" لتناول الإفطار التقليدي.

الخاتمة

ريوگ العيد ليس مجرد وجبة إفطار، بل هو رمز للتلاحم الاجتماعي في الأهواز. رغم تغير الزمن وتراجع هذه العادة في بعض المناطق، إلا أنها لا تزال حاضرة في ذاكرة الأهوازيين وواقعهم، حيث تعكس ارتباطهم بهويتهم الثقافية والاجتماعية. فبين تمن العنبر والروبة والدهن عند سكان الأهوار، والسمك المقلي عند سكان القرى المستقرة، يظل هذا التقليد شاهدًا على تاريخ من الألفة والفرح، يروي قصصًا لا تزال تُحكى عبر الأجيال.

الموقع الدقيق لمقتل الشيخ لفته المبادر: تصحيح تاريخي وتوضيح جغرافي

الموقع الدقيق لمقتل الشيخ لفته المبادر: تصحيح تاريخي وتوضيح جغرافي

توفيق النصاري

1. المقدمة

تُعد الأحداث التاريخية التي تتعلق بالشخصيات البارزة محط اهتمام كبير للباحثين، حيث يسعون إلى توثيق تفاصيلها الدقيقة، بما في ذلك أماكن وقوعها. ومن بين هذه الأحداث، التي أثارت اهتمام الباحثين، حادثة مقتل الشيخ لفته المبادر عام 1878م، والتي وقعت في فترة مفصلية من تاريخ المنطقة. ومع ذلك، هناك التباس حول الموقع الحقيقي لوقوع الحادثة، مما يستدعي تصحيحًا تاريخيًا دقيقًا.

2. الخطأ في رواية حميد طرفي

في كتابه "تاريخ سياسی اجتماعي بنی کعب و جنگ‌های آلبوناصر با انگلیس و عثمانی" (ص 192)، يذكر الباحث حميد طرفي (حميد الشامخ) أن الشيخ لفتة قُتل في منطقة الصويرة التابعة لهنديان، وهو ما يحتاج إلى تصحيح تاريخي. هذه الرواية، لا تتطابق مع ما ورد في الوثائق البريطانية، والمخطوطات المحلية القديمة التي تناولت الحدث بتفاصيل أدق. فالمصادر تقدم معلومات مختلفة حول الموقع المذكور لمقتل الشيخ لفتة، مما يستدعي مراجعة دقيقة لهذه الرواية التاريخية.

3. التصحيح التاريخي: الموقع الحقيقي لمقتل الشيخ لفته

في الواقع، قُتل الشيخ لفته في الصويرة الكائنة في الجراحي، وليس في الصويرة التابعة لهنديان كما ذكر الباحث. وقد ورد توثيق موقع الحادثة في دليل الخليج، حيث جاء فيه ما ملخصه:

"وفي مايو عام 1878 قُتل الشيخ لطف الله بن مبادر، المشهور باسم شيخ لطفي، أحد أفراد أسرة الفلاحية، وقد قتل معه نجله غضبان في الجراحي بيد جعفر وسلمان ولدي محمد المذكور." (ج.ج. لوريمر، د.ت: 2480).

كما وثّق الملا علوان الشويکي في مخطوطته هذه الحادثة بشكل أكثر دقة، حيث أورد التاريخ باليوم والشهر والسنة والمكان بالتفصيل. ومع ذلك، يتفق كل من الملا علوان ولوريمر في ذكر الجراحي كموقع للحادثة، وهو ما استبدله حميد طرفي بهنديان:

«حكم الشيخ لفتة وقُتل في الجراحي بالصويرة مع ولده غضبان وعباس بن داوود بن عمارة، ومع ولده بشير قُتل في البندر. قتلهم الشيخ جعفر بن شيخ محمد بن شيخ فارس، وكعب معه، وكان ذلك في ليلة الخميس العاشر من شهر ربيع الأول سنة 1297» (الملا علوان الشويكي، ص 72).

تُعد مخطوطة بني كعب للملا علوان الشويكي، التي تم الانتهاء من كتابتها في الثلاثينيات، مصدرًا مهمًا لفهم بعض الأحداث التاريخية في المنطقة، إذ تقدم توثيقًا لحوادث لا توجد في مصادر أخرى بنفس التفاصيل. وقد اعتمد عليها العديد من المؤرخين لاحقًا.

كما ذكر جابر جليل المانع في كتابه "مسيرة إلى قبائل الأحواز" نفس الموقع لمقتل الشيخ لفتة: «فاتفقت كعب على تعيين الشيخ جعفر بن محمد بن فارس بن غيث، حيث قتل هذا الأخير الشيخ لفتة في قرية تدعى الصويرة من قرى نهر الجراحي." (جابر جليل، 1971م: 197).

يشير هذا الاقتباس إلى اتفاق ما ورد في دليل الخليج ومخطوطة الملا علوان الشويكي مع ما ذكره جابر جليل المانع، مما يعزز مصداقية الموقع الفعلي لمقتل الشيخ لفتة في صويرة الجراحي. ورغم أن المانع لم يذكر مصدر معلومته صراحة، فإن تطابقها مع المصادر المحلية يجعلها جديرة بالاعتبار عند دراسة هذا الحدث التاريخي.

4. أسباب وقوع الباحث في هذا الخطأ

يبدو أن الباحث حميد طرفي وقع في هذا الخطأ نتيجة عدة عوامل متداخلة، بعضها متعلق بتشابه الأسماء، وبعضها الآخر ناتج عن نقص التدقيق في التفاصيل الجغرافية والتاريخية، إضافةً إلى تأثير التغيرات التي طرأت على المنطقة عبر الزمن. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى وقوع الباحث في هذا الخطأ، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1-التشابه في الأسماء وغياب التدقيق الجغرافي

وجود قريتين تحملان اسم "الصويرة" في منطقتين مختلفتين أدى إلى خلط في المصادر، خصوصًا أن صويرة الهنديان لا تزال معروفة بنفس الاسم حتى اليوم، بينما تغير اسم صويرة الجراحي مرتين، مما جعلها أقل وضوحًا في السجلات الحديثة.

2-إضافة الباحث معلومات من عنده دون تحقق دقيق

يبدو أن الباحث، عند قراءته أن الشيخ لفته قُتل في الصويرة، افترض أنها صويرة الهنديان وأضاف هذه المعلومة من عنده رغبة في الإثراء، لكنه لم يراجع بدقة تفاصيل الحادثة الجغرافية.

3-عدم اطلاعه على التغيرات التي طرأت على صويرة الجراحي

تغيَّر اسم قرية الصويرة في الجراحي إلى "ممكو" في زمن الشاه الابن، وذلك بعد بناء مساكن خاصة لمهندسي صناعة البتروكيمياء فيها، مما أدى إلى طمس اسمها الأصلي تدريجيًا. ثم أُعيد تغيير اسمها مرة أخرى إلى "شهرك بعثت" في عهد الجمهورية الإسلامية، وهو ما زاد من صعوبة تتبع تاريخها وربطها بالأحداث التاريخية، خاصةً لدى الباحثين غير المتخصصين.

4-التركيز على صويرة الهنديان بسبب شهرتها التاريخية

صويرة هنديان كانت مركزًا مهمًا لعشائر الأمارة ولعبت دورًا بارزًا سياسيًا واجتماعيًا، فربما وقع في الخطأ بسبب شهرة هذه الصويرة مقارنة بصويرة الجراحي الأقل شهرة، خاصة في فترة كتابة البحث.

مجمل هذه العوامل أدت إلى وقوع حميد طرفي في الخطأ، مما يسلّط الضوء على أهمية التدقيق في الأسماء الجغرافية، وتتبع التغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن لضمان دقة البحث التاريخي.

وفي الختام أن التمييز بين الصويرتين ليس مجرد مسألة جغرافية، بل يعكس أهمية التحقق من التفاصيل الدقيقة عند توثيق الأحداث التاريخية. إن مثل هذه الأخطاء قد تؤثر على فهمنا للسياقات التاريخية، مما يجعل من الضروري مراجعة المصادر بعناية لتقديم سرد أكثر دقة ووضوحًا.

المصادر:

ج. ج. لوريمر،. دليل الخليج (القسم التاريخي، الجزء الخامس). قسم الترجمة، مكتب أمير دولة قطر. د.ت.

جابر جليل المانع، مسيرة إلی قبائل الأحواز، مطبعة حداد، 1971م.

حمید طرفي، تاریخ سیاسی اجتماعی بنی کعب و جنگ آلبوناصر با انگلیس و عثمانی، نيلوفران، 1390 هـ.ش (2011م).

الملا علوان الشويکي، تاريخ بني کعب، نسخة مخطوطة.

يوسف الكويتي: بين النسيان والتاريخ المهمل

یوسف الكويتي: بين النسيان والتاريخ المهمل

توفيق النصّاري


لم أسمع باسم "يوسف الكويتي" إلا عام 2018، حين صادفت منشورًا على فيسبوك كتبه "كاظم الملا باهض الحمد"، المعروف بـ"كاظم بروشك" من أهالي مدينة المحمّرة. كان المنشور قصيرًا، لكنه أثار فضولي. ذكر الكاتب أن يوسف كان أحد المقاولين الذين استولوا على نقابة العمال العرب في شركة النفط بعبادان، إلى جانب "حداد الكنعاني"، و"حسين گزي"، و"الشيخ ناصر"، وأنه فرَّ عندما هاجم أنصار "حزب توده" الشيوعي النقابة عام 1946، فيما قُتل حداد وحسين.

حينها لم يكن لدي أي معرفة بهذا الاسم، ولم أجد عنه شيئًا في المصادر التي بحثت فيها لاحقًا. بدا وكأنه ظلٌّ عابر، اسم طُمس وسط تحولات كبرى، أو شخصية لم يُكتب لها أن تُدوَّن في السجلات الرسمية. ومنذ ذلك الوقت، ظل اسم يوسف الكويتي حاضرًا في ذهني، كلغز يستحق البحث والتقصي.

لم يخطر ببالي أنني سأكشف جزءًا من قصته مصادفة، عبر صورتين شارکهما معي الشاعر "سعيد غاوي" صباح يوم الإثنين 10 مارس 2025، لشاهدة قبر قديم في مقبرة مهجورة، وأرفق معهما هذا النص:«هذه صور من مقبرة اليهود في عبادان، التي تقع في فلكة السدة، مقابل قهوة ديوان. تعد المقبرة تحفة أثرية رائعة. هل زرتها أو سمعت بها؟»

رأيت أن الشاهدة تحمل اسم "يوسف بن يعقوب كويتي"، لكن الصديق سعيد لم يكن قد أرسلها لي لتذكيري بهذه الشخصية التي لم يكن يعرف تاريخها كما بدا لي، بل لتعريفي بـ "مقبرة اليهود" في عبادان. ويبدو أن سبب تصوير هذه الشاهدة تحديدًا من بين الشواهد الأخرى هو أن اسم المتوفى كُتب بطريقة عربية، ما يعكس التنوع العرقي لليهود الذين عاشوا في عبادان. فبينما كانت الغالبية العظمى منهم يتحدثون الفارسية، كان هناك أيضًا يهود انتقلوا إليها من العراق والكويت، مما أضاف تنوعًا لغويًا إلى مجتمعهم.

لكنني كنت أعرف المقبرة منذ سنوات، وأشرت إليها في مقال سابق عن يهود عبادان، وتحدثت فيه عن وجود قبر "نعيم ألفي" في هذه المقبرة. والمفارقة أنني وقفت بجانب جدارها المهدم مساء 27 فبراير 2025، أي قبل أسبوعين تقريبًا من مراسلة صديقي سعيد، لكنني لم أدخل إلى القبور لأتفحص الشواهد.

من خلال الصورة التي أرسلها سعيد، أدركت أن يوسف الكويتي لم يكن مسلمًا كما كنت أظن، بل كان يهوديًا، وها هو يرقد هنا، في المقبرة التي تحفظ أسماء منسيين مثل قصته. تلك اللحظة أيقظت في نفسي مزيجًا من الدهشة والحزن، وذكّرتني بمدى هشاشة الذاكرة الجماعية.

بعد اكتشاف هويته الدينية، واصلت البحث عن مزيد من المعلومات عنه في نفس اليوم. لم يكن الأمر سهلًا؛ فالأرشيفات لا تذكره، والبحث في "غوغل" لم يُسفر عن شيء. لكن بما أنني كنت أعرف بوجوده ضمن أحداث 1946 في عبادان، فقد وجدت إشارة موجزة إليه في "کتاب سیاه (درباره سازمان افسران توه)"، مقتبسة من تقرير شرطة مدينة عبادان بتاريخ 15 يوليو 1946م: "هاجم منتسبو حزب توده منزل يوسف الكويتي، أحد كبار التجار، ونهبوا الأواني والسجاد والملابس" (تیمور بختیار، 1953م: 24). وهذه الإشارة التاريخية أكدت ما ورد في ذكريات والد "كاظم بروشك"، لكنها لا تضيف الكثير من المعلومات الجديدة.

في نفس اليوم، حصّلت علی حوار أجري مع "برويز شايان" بتاریخ 23 يونيو 1998 في لوس أنجلوس، وهو يهودي من عبادان، تناول فيه تاريخ يهود المدينة. في ذلك الحوار، ذكر اسم يوسف الكويتي كشخص ساهم في تمويل شراء أرض لبناء مدرسة يهودية في عبادان. (برويز شايان، 1992). هذا التفصيل الصغير كشف جانبًا مختلفًا من شخصيته؛ فهو لم يكن مجرد تاجر أو مقاول، بل كان فاعلًا في مجتمعه، يساهم في الحفاظ على هويته الثقافية والتعليمية.

رغم ثراء يوسف الكويتي ومكانته التجارية وارتباط اسمه بأحداث حزب تودة سنة 1946 في عبادان، إلا أن اسمه لم يُحفظ في الذاكرة العبادانية. نسيان يوسف الكويتي ليس مجرد صدفة، بل نتيجة عوامل اجتماعية وتاريخية تضافرت لمحو أثره منها:

1. انحسار المجتمع اليهودي في عبادان

كان يوسف جزءًا من مجتمع يهودي محلي لكنه لم يكن شخصية عامة مؤثرة في المجتمع الأوسع. مع هجرة اليهود من عبادان بعد الحرب الإيرانية العراقية واندثار وجودهم كجماعة مؤثرة، فُقدت أيضًا الذاكرة الجماعية عن أفراده، ومن بينهم يوسف الكويتي. لو بقيت عائلته أو بقي مجتمع يهودي نشط في عبادان، ربما كان اسمه سيظل متداولًا ضمن ذاكرة هذا المجتمع.

2. غياب التوثيق التاريخي عنه

لم يكن ليوسف الكويتي ذكرٌ في الروايات التاريخية أو الأدبيات التي تؤرّخ للمنطقة. لم يُكتب عنه في الصحافة، ولم يترك خلفه مذكرات أو سيرة تُدوّن دوره التجاري والاجتماعي. الشخصيات التي يتم تناقل قصصها غالبًا ما تكون تلك التي حُفظت في السجلات الرسمية أو في الحكايات الشعبية، وهو ما لم يحدث مع يوسف.
3. عدم وجود إرث ملموس يُعيد اسمه للواجهة

لم يُعرف أن يوسف الكويتي أسس مشروعًا تجاريًا استمر بعده، أو أن له إرثًا معماريًا أو ثقافيًا في عبادان يُعيد اسمه للتداول کما في حالة الفي الذي ارتبط اسمه بمحل کان بجانب دوار وبات يعرف الدوار لليوم بفلکة الفي علی مستوی التداولات اليومية. في المقابل، الشخصيات التي تبقى في الذاكرة عادةً ما تكون مرتبطة بمعالم أو مؤسسات تجعل الناس يتذكرونها باستمرار.

لم أحصل على معلومات أكثر عن حياة يوسف الكويتي وعائلته، وكذلك عن كيفية هجرته أو هجرة والده من الكويت. كل ما موجود حاليًا هو تاريخ وفاته المحفور على شاهد قبره والذي يشير إلی يوم السبت، 8 مارس 1969، حيث دُفن في مقبرة اليهود، تلك المقبرة التي تعاني اليوم من الإهمال، مثلما عانى اسمه من النسيان. لم يبقَ من سيرته سوى شاهدة قبر وسط مقابر متآكلة، لا يزورها أحد ولا تُروى فيها قصص من رحلوا. كأن نسيانه كان امتدادًا طبيعيًا لمصير مجتمعه.

إن قصة يوسف الكويتي ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي دعوة للتأمل في كيفية حفظ الهوية والتاريخ من خلال نقل الشهادات والذكريات. وفي ظل تراجع الأثر التاريخي للمجتمعات الأصغر، يصبح من الضروري إعادة النظر في مصادرنا التاريخية والعمل على توثيق قصص تلك الشخصيات لضمان عدم اختفائها من الذاكرة العامة. بهذا، يُمكن للمجتمع أن يستمد من ماضيه دروسًا تعزز الهوية وتدفع نحو مستقبل واعٍ.


المصادر:

تیمور بختیار، کتاب سیاه درباره افسران حزب توده، چاپ مطبوعات، 1956م.

برويز شايان، حوار جماعي غير مطبوع، 1998م. تم الاسترجاع من:
https://ypsa.yale.edu/sites/default/files/files/T098-1_2%20Shayan%2C%20Parviz%20(NE).doc

کاظم بروشك، کلوب ( سندیکا -- نقابه ) گارگران عرب شرکت نفت، منشور بتاريخ 17 يوليو 2018، تم الاسترجاع من:

https://www.facebook.com/share/p/16Qyu3nvNn/

/

تصحيح تأريخ معركة الونج: تفنيد الخطأ الشائع حول عام 1940م

تصحيح تأريخ معركة الونج: تفنيد الخطأ الشائع حول عام 1940م

بعد أسبوع من انتشار كتاب "قهرمانانی در کوچه های مرگ" لـ"حبيب زبيدي" حول معركة الونج عن دار نشر "تراوا" في مدينة الأهواز، وتحديدًا في الليلة السابعة من مارس 2025، دارت بيني وبين المؤلف مناقشة حول توقيت المعركة وتفاصيلها التاريخية في مجموعة افتراضية على "واتساب". كان المؤلف يصر على أن المعركة وقعت في عام 1940م، ويضع رضا شاه في سياق الآخر أمام الثائرين ویدخله في جزئيات هذه المعرکة. من جهتي، كنت أرى أن المعركة وقعت في يونيو 1944م (تیر 1323 هـ.ش) وفي ذلك الوقت لم يكن رضا شاه في الحكم، إذ تم خلعه عام 1941م. في هذا المقال، سأستعرض منشأ الخطأ التاريخي حول تأريخ معركة الونج، من خلال تتبع أصوله الأولى، وتحليل العوامل التي أدت إلى انتشاره، مع الاستناد إلى المصادر التاريخية الموثوقة لتصحيح هذا الالتباس.

نشأ الخطأ في تأريخ معركة الونج بشكل رئيسي من الباحث العراقي علي نعمة الحلو، الذي لم يكن يجيد اللغة الفارسية للاطلاع على الوثائق التي تدون أخبار المعرکة وقت حدوثها، مما اضطره إلى الاعتماد على روايات شفهية لم تكن دقيقة. في عام 1969، في كتابه "الأحواز" (عربستان)، وقع في خطأ تأريخي بتحديد سنة وقوع المعركة في عام 1940م (1969م، 49)، رغم أنها حدثت في عام 1944م بعد خلع رضا شاه بثلاث سنوات (سبتمبر 1941). هذا الخطأ استمر في الانتشار بين الباحثين العراقيين والعرب الذين تبنوا هذه الرواية دون التحقق الكافي من المصادر الأولية، مثل "مصطفى عبد القادر النجار" في كتاب "التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية" (1971م، 258) و" إبراهيم خلف العبيدي" في "الأحواز أرض عربية سليبة" (1980م، 70)، و"محمد السنوسي في "أوجه الصراع في الخليج العربي" (1989م، 185) وآخرين. استمرار هذا الخطأ بين الباحثين العرب يعكس عدم التدقيق في المصادر الأولية التي كانت متاحة وقت وقوع المعركة.

أما في الأهواز، فقد تبنّى بعض الباحثين هذا الخطأ أيضًا. يوسف عزيزي في كتابه "قبائل وعشایر عرب خوزستان " وثّق المعركة على أنها وقعت عام 1940م (یوسف عزیزی، 1992م: 40)، مما أدى إلى الخلط في تسلسل الأحداث التاريخية. كذلك، وقع موسي سيادت في كتابه "تاريخ جغرافي عرب خوزستان" في نفس الخطأ، حيث أدرج المعركة ضمن الأحداث التي وقعت في عهد رضا شاه (موسی سیادت، 1995م: 125)، رغم أنها حدثت بعد خلعه بثلاث سنوات.

كما وقع باحثون معاصرون في نفس الخطأ، ومنهم "حبيب زبيدي" (2025م) الذي خصص كتابًا كاملاً عن هذه المعركة، حيث وثّقها على أنها حدثت في عام 1940م، دون الاطلاع علی الوثائق التي تؤكد وقوعها في 1944م مکتفيَا بالروايات الشفهية.

وفي السياق ذاته، تناولت فاطمة التميمي هذا الحدث في حسابها علی انستغرام (fatema.tamimi) سنة 2020م ببعض المقاطع المرئية المصورة حيث وثقت المعركة من خلال مقابلات مع بعض كبار السن الذين عاصروها، لكنها وثقته بنفس التاريخ الخاطئ، مما ساهم في ترسيخ الرواية غير الدقيقة. بالرغم من توافر المصادر الأصلية والتوثيق الصحفي في الوقت نفسه، فإن الاعتماد على النقل عن كتب سابقة غير دقيقة كان سببًا في استمرار هذا الخطأ.

من المهم الإشارة إلى أن تفاصيل معركة الونج قد وردت في جريدة "اطلاعات" الإيرانية التي وثقت الحدث في وقت حدوثه، في العدد 5505 المنشور يوم الخميس 29 يونيو 1944 (8 تير 1323) وكذلك العدد 5517 المنشور يوم السبت 15 يوليو 1944م ( 24 تیر 1323)، أي بعد خلع رضا شاه. هذه الصحفية تعد مصدرًا رئيسيًا في تصحيح تأريخ المعركة، حيث يمكن من خلالها تحديد التاريخ الصحيح للحدث، وهو ما يختلف عن الروايات التي أوردتها الكتب التي تسببت في انتشار الخطأ.

يكشف هذا المقال عن خطأ تاريخي استمر لعقود حول توقيت معركة الونج، مما يؤكد أهمية التدقيق في المصادر الأولية وعدم الاعتماد على الروايات الشفهية أو النقل غير المدقق من الكتب السابقة. إن تحديد الوقائع التاريخية بدقة يتطلب مراجعة الوثائق الأصلية، كما هو الحال مع أرشيف صحيفة "اطلاعات"، الذي يثبت وقوع المعركة في يونيو 1944م وليس 1940م.

إن استمرار هذا الخطأ في الدراسات يعكس تحديًا قائمًا في البحث التاريخي، حيث تنتقل المعلومات المغلوطة من مصدر إلى آخر دون تمحيص. لذلك، ينبغي على الباحثين مراجعة المصادر الأصلية والتأكد من صحة المعلومات قبل تبنيها، خاصة عند التعامل مع الأحداث المفصلية.

في النهاية، يبقى التاريخ مجالًا مفتوحًا للنقد والتصحيح، وما تصحيح هذا الخطأ إلا خطوة ضمن الجهود المستمرة لتوثيق الماضي بدقة، بعيدًا عن الاجتهادات غير المستندة إلى أدلة موثوقة.

المراجع

إبراهيم خلف العبيدي، "الأحواز أرض عربية سليبة"، وزارة الثقافة والإعلام، 1980م.

علي نعمة الحلو، "الأحواز"، دار البصري، 1969م.

فاطمة التميمي، مقاطع مرئية عن معركة الونج، تمت المراجعة في 23 مارس 2025م علی حساب (fatema.tamimi).

محمد السنوسي معنى، "أوجه الصراع في الخليج العربي"، دار النشر المغربية، 1989م.

مصطفى عبد القادر النجار، "التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية"، دار المعارف، 1971م.

موسي سيادت، تاريخ جغرافي عرب خوزستان، آنزان، 1995م.

يوسف عزيزي، "قبايل وعشاير عرب خوزستان"، پخش کتاب، 1992م.

جريدة "اطلاعات" الإيرانية، العدد 5505 يوم الخميس 29 يونيو 1944 (8 تير 1323) وكذلك العدد 5517 يوم السبت 15 يوليو 1944م ( 24 تیر 1323).