عن مدرّس القرآن عبد الغني القيم

عن مدرّس القرآن عبد الغني القيم

عبد الغني القيم هو أستاذ قراءة قرآن وتواشیح . ولد عام 1919 م في عبادان جنوبي الأهواز. أكمل تعليمه الأولي بعد سقوط حکم الشيخ خزعل في مدرسة بهلوي الابتدائية ورازي الثانوية ثم تخرج من كلية نفط عبادان في مجال الأدب.

بدأ عبد الغني العمل في شركة النفط في سن التاسعة مع والده، ففي سن التاسعة عشر تم تعيينه رسميًا في شركة النفط وبدأ عمله في قسم الشؤون الإدارية، وتقاعد عام 1979.

في سن العاشرة بدأ بتعلّم القرآن على ید الشيخ عبدالمهدي الذي كان أحد معلمي القرآن في مدينة عبادان، وكان معروفًا بأنه قارئ مشهور ومتقن. ثم مع افتتاح إذاعة عبادان كان أول قارئ للقرآن الكريم في هذه الإذاعة. وبناءً على هذه الخلفية، تم استدعاؤه إلى إذاعة طهران في السنوات التالية لتلاوة القرآن الكريم هناك. وکان القیم یقرأ القرآن بأربعة أسالیب هي: الحجاز، والبیات، والسگا، والرست.

کان القیم منذ حوالي عام 1953 لمدة ست سنوات، يقرأ القرآن خلال شهر رمضان في إذاعة طهران، الا ان هذا البرنامج كان يُعرض مباشرة ولم يكن نظام التسجيل والأرشفة قد تم إعداده بعد في الراديو، لذلك لم تبق تلاوة مسجلة لقراءته في تلك السنوات.

لسنوات عديدة، وخلال رحلاته المتكررة إلى العراق ومصر، أثناء تلاوة القرآن، تعرّف القيم على القراء المشهورين وتعلم منهم أشياء كثيرة. وكانت تربطه صداقة وثيقة مع أساتذة مثل أبو العينين شعيشع، ومصطفى إسماعيل وغيرهما. كما كان له حضور نشط وفعال في إيران وخارجها لأكثر من 20 عامًا كمدرس تجويد ومحكم في مسابقات القرآن الدولية.

ومن أنشطته إدارة الدورات القرآنية في عبادان، وإنشاء نادي "شمس" الرياضي في عبادان، وإنشاء مدرسة علمية لتعليم اللغتين الفارسية والإنجليزية.

في سبعینیات القرن الماضي، انتقل القيم إلى طهران مع عائلته وواصل أنشطته القرآنية، وازدهر تدریسه هناك أكثر من ذي قبل. وقد ألف كتابا تحت عنوان "فن تجويد القرآن" عام 1968، وطبع في مايو 1971.

وفقًا لأساتذة القرآن فإن الأستاذ القيم هو أول من عرّف بأسلوب التواشيح للقراء الإيرانيين عام 1982. ففي السنوات التي سبقت ثورة 1979، وبسبب معرفة الأستاذ القیم بـ"نصر الدين طوبار" و"الشيخ محمد الطوخي"، تعلم التواشيح وأداها في إيران. وفي عام 1983 قام بتشكيل فرقة تواشیح في الأهواز قدمت عروضًا جذبت انتباه الجمهور، من ضمن افرادها الدكتور مهدي دغاغلة.

کما ألّف القیم أوّل موسوعة قرآنية ولکن لم يتم نشرها بعد. لم ينشر القيم هذه الموسوعة لأنه لم یقسّم ويصنّف موضوعاتها ولم يكمل تحريرها، ومنعته الکهولة فيما بعد من الانتهاء منها. وتشمل هذه جميع المواضيع التي يحتاجها القراء بل هي كشكول قرآني. وبطبيعة الحال، فمن الممكن أنه لم يتم تألیفها وفق الأساليب الحديثة من حيث مراعاة الأصول العلمية، لكنها تعتبر من أكمل المؤلفات المكتوبة في مجال تعليم القرآن.

توفي القيم يوم 30 سبتمبر 2007 بعد معاناة مع المرض ودفن في طهران.

توفيق النصاري

جمع من بضعة مقالات نشرت في مجلة رايحة، السنة الثالثة، العدد ٢٨ الخاص بالاستاذ عبدالغني القيم، اول شهريور ١٣٨٦ ه.ش.

النوخذه أحمد عبدالأمام

ترجمة النوخذه أحمد عبدالأمام

ولد الحاج أحمد بن عبدالأمام بن طاهر النصاري، والمعروف بـ"النوخذه أحمد عبدالأمام" سنة ۱۹۴۰ م في قریة نهر الرفیّع بالقصبة جنوبي عبادان. مارس الحاج أحمد مهنة البحارة منذ مراهقته، حتی أصبح ربانًا ماهرًا یقود البواخر والسفن في المیاه الخلیجیة وبحر عمان.

وقد سافر بحرًا إلی البلدان التالية: الیابان، وسنغافوره، والهند، وسواحل، وبحر عمان، ومالابارکالیکوت، وصلاله، والیمن الجنوبیه، وبربرة الصومال، والکویت، وقطر، والامارات المتحدة العربیة. ألّف الحاج أحمد کتابًا، تحت عنوان «دلیل الأسفار للنوخذا والبحّار» طبعه سنة ۱۴۰۷ الهجریة الموافق لسنة ۱۹۸۶ المیلادیة، فیعد من أول الأهوازیین الذین اهتموا بطباعة المؤلفات، علمًا أن کتابه وصل للطبعة الثالثة سنة ۱۹۹۷م. کتب الشاعر البحریني الشیخ جمعة الحاوي، قصیدة، یمتدح فیها کتابه، مطلعها:

هذا دلیل البحر للسيّار

في البحر نهجًا صادق الأفكار

توفي الحاج أحمد یوم السبت 5 نوفمبر 2022 م في مدينة عبادان.

گهوة بدرية: من مقهى شعبي إلى كناية في الذاكرة العبادانية

گهوة بدرية: من مقهى شعبي إلى كناية في الذاكرة العبادانية

توفيق النصاري

في قلب مدينة عبادان، حيث تتداخل الحياة اليومية بالحكايات الشعبية، برزت بعض الأماكن التي تجاوزت وظيفتها العادية لتصبح رموزًا ثقافية. من بين هذه الأماكن تبرز "گهوة بدرية"، التي لم تكن مجرد محطة لاستراحة المتسوقين أو مكانًا لشرب الشاي، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية للعبادانيين. لم تتوقف أهمية هذا المقهى عند وجوده المادي، بل امتد تأثيره إلى اللغة اليومية، حيث تحول اسمه إلى كناية تعكس روح الترحاب والضيافة والصخب الاجتماعي الذي كان يميزه.

برز في شارع بهلوي مقهى شعبي تديره امرأة تُدعى بدرية، حتى غدا معروفًا باسم "گهوة بدرية". لم يكن مجرد مكان يقصده الناس لشرب الشاي، بل تحوّل إلى معلم شعبي ظل حاضرًا في ذاكرة العبادانيين حتى بعد إغلاقه.

وُلدت بدرية في الدورق بالأهواز سنة 1313 هـ.ش (1935 م تقريبًا)، وكان اسمها الرسمي في السجلات "بديره زنبوري". تنتمي إلى إحدى الأسر التي انتقلت من الدورق إلى عبادان خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مستفيدةً من الطفرة الاقتصادية التي جعلت المدينة مركزًا صناعيًا وتجاريًا مزدهرًا. أسهمت هذه الهجرة، التي كانت جزءًا من تحركات سكانية واسعة نحو المناطق الحضرية، في تشكيل النسيج الاجتماعي المميز لعبادان، حيث تركت هذه الأسر بصماتها في الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة.

لم تتزوج بدرية طوال حياتها، وعُرفت بشخصيتها القوية والمستقلة، حيث أدارت المقهى بنفسها لسنوات طويلة، ما جعلها واحدة من النساء القليلات اللواتي عملن في مثل هذه المهن آنذاك. لم يكن من الشائع أن تدير امرأة مقهى شعبيًا في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، لكن بدرية استطاعت فرض وجودها، وأصبح مقهاها وجهة رئيسية لمرتادي السوق، سواء كانوا متسوقين، تجارًا، أو عمّالًا يبحثون عن استراحة قصيرة في يومهم المزدحم.

بعد سنوات من إغلاق المقهى في أعقاب ثورة 1979، لم يتلاشَ الاسم من ذاكرة الناس، بل ظل متداولًا كجزء من التعبيرات اليومية. فمن الشائع أن يُقال "شنو عندي گهوة بدرية؟" عندما يجد شخص نفسه في موقف مليء بالضجيج والزوار غير المتوقعين، أو عندما يرغب في الإشارة إلى فوضى وديناميكية لا يستطيع التحكم بها. تحوّل الاسم إلى رمز يعكس طبيعة الأماكن التي لا تهدأ، حيث يكثر الداخلون والخارجون، وتدور الأحاديث بلا توقف.

هذا التحوّل لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجةً لسنوات من الحضور الاجتماعي القوي للمقهى. وكما هي العادة في اللهجات الشعبية، عندما يترسخ اسم مكان أو شخصية في الذاكرة الجماعية، فإنه يأخذ بعدًا جديدًا قد يتجاوز معناه الأصلي. وهكذا، بقيت "گهوة بدرية" حية، ليس فقط كذكرى، بل كتعبير يُستخدم حتى يومنا هذا.

من صابئة المحمرة: ناصر رحمون

من صابئة المحمرة: ناصر رحمون

ولد ناصر بن رحمون بن عطوان في النصف الأول من القرن الميلادي الماضي بمدینة المحمرة، وکانت والدته مکیه بنت الشیخ معتوگ شیخ الطائفة المندائیة (الصابئية) في المحمرة والذی عیّنه الشیخ خزعل الکعبي زعیمًا علی المندائيين في الأهواز.

تعلّم ناصر علی ید الملّا داوود(رجل دين ضرير) اللغة العربیة و المندائیة وأصبح یجید المندائية بطلاقة ویهتم لتاریخ وثقافة المندائيين. سافر ناصر الی العراق لتعلم مهنة الصیاغة وعندما رجع فتح له محلًا في عبادان لکنه بعد سنوات هاجر مع أخیه داخل إلی الکویت. وفي الستینیات رجع أخوه إلی الأهواز، لکن ناصر بقي لفترة ثم هاجر إلی نیویورك. توفي بتاريخ ۲۰۱۸/۱۲/۲۲

الدال: رحلة الکلمة والطبق بين الهند والخليج

الدال: رحلة الکلمة والطبق بين الهند والخليج

توفيق النصاري

يعدّ "الدال" واحدًا من الأطباق الشعبية الشهيرة في العديد من مناطق الخليج، بما في ذلك الأهواز، أبوشهر، الكويت، عمان، عدن، والبلدان الخليجية الأخرى. يتكون من العدس البرتقالي، والثوم، ومعجون الطماطم، وعادةً ما يتم تبهيره بالفلفل الحار لإضفاء نكهة مميزة. ورغم بساطته، يُعتبر "الدال" من الأطباق ذات الشعبية الواسعة والمحبوبة لدى الكثيرين في هذه المناطق. إقبال الناس على تناول هذا الطبق لا يقتصر فقط على مذاقه اللذيذ، بل أيضًا على فوائده الغذائية، حيث يعد العدس مصدرًا غنيًا بالبروتينات والألياف. بالإضافة إلى ذلك، فإن إضافة الفلفل الحار والثوم تجعل من "الدال" طبقًا شهيًا يثير الحواس ويمنح الجسم الدفء في الأيام الباردة.

وعلی الرغم من انتشار "الدال" في العديد من المناطق المطلة على الخليج، ولكنه ليس معروفًا بنفس الاسم في جميع هذه المناطق ففي الفلاحية بالدورق جنوب الأهواز علی سبيل المثال، يُطلق على هذا الطبق اسم "مرگ عدس" أو "مرگة عدس"، وهو مصطلح محلي يختلف عن التسمية الشائعة "دال" في مناطق مجاورة مثل عبادان وناصرية الأهواز. هذا الاختلاف في التسمية يبرز التنوع اللغوي، ويعكس خصوصية كل منطقة في تسمياتها للأطباق الشعبية.

كما أن متابعة طرق تحضير هذه الأكلة عبر الشبكة تكشف عن تنوع واسع في أساليب إعدادها، حيث يختلف تحضير حساء "الدال" من منطقة إلى أخرى وفقًا للعادات الغذائية والتقاليد المحلية. في الفلاحية التي مر ذکرها، يطهی بشکل ثخين ويُقدّم عادةً مع "تمن الدورق" أو الأرز الدورقي، وهو الأرز الذي يتميز بحباته الصغيرة والرائحة الزكية، مما يُكمل الطابع المحلي لهذا الطبق. يتماشى هذا مع تقاليد الأكل الخليجية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمكونات محلية تتناسب مع البيئة والمناخ.

وعلی مستوی الدراسات التي تتطرق للهجات الخليجية فقد وردت کلمة الدال في بعض الکتب منها "الموسوعة الکويتية المختصرة" حيث جاء: «دال: اسم يطلقه بعض الناس علی العدس، وهي کلمة هندية» (حمد محمد السعيدان،1981م: 555).

لکن من غير الكافي مجرد القول بأن الكلمة "هندية" لأن ذلك يترك مجالًا للتفسير الغامض. الهند دولة كبيرة للغاية بها العديد من اللغات واللهجات التي تختلف بشكل كبير عن بعضها البعض. کما أن الباحث لم يذكر الکلمة بحروف لغتها و نطقها الکتابي فبذلك يمكن للقارئ معرفة كيف يتم نطق الكلمة في اللغة الأم وكيف تختلف عن نطقها باللهجة الخليجية.

و في کتاب"الدخيل في لهجة أهل الخليج" کذلک وردت هذه الکلمة: «دال: العدس – حساء العدس واللفظ هندي من (DAL)» (أحمد عبدالقادر شاذلي، 1992م: 48). ولکن کان من الأفضل أن يذكر الباحث الكلمة باللغة الهنديةويقدم تلفظها باللغة العربية أو الإنجليزية، ليتماشى مع المنهج الأكاديمي الذي يركز على تقديم معلومات دقيقة ومتنوعة في مجال تحليل اللغات.

من الناحية اللغوية، تعود كلمة "الدال" إلى اللغات الهندية، حيث تُكتب بالهندية الرسمية "दाल" وتُلفظ "دال"، وتشير إلى العدس (أحمد القاضي، أسامة شلبي، 2022م، 39)، إلا أن هذه الكلمة متداولة في العديد من اللغات الهندية، مثل الأردية حيث تُكتب "دال" وتُلفظ "دال"(المصدر السابق)، والغوجراتية التي تُكتب "દાળ" وتُلفظ "دال" (Tarla Dalal , 2004, 7). مما يظهر أن كلمة "الدال" لها حضورًا قويًا في اللغات المستخدمة في الهند والبلاد المجاورة لها مثل باكستان التي تعتمد على اللغة الأردية.

يعدّ "الدال" أكثر من مجرد طبق غذائي في ثقافات الخليج؛ فهو جزء من الهوية الثقافية والموروث الشعبي لهذه المناطق. ورغم التفاوت في طرق تحضيرها بين المناطق، فإن "الدال" تظل واحدة من الأطباق التي تجمع بين البساطة والتاريخ والتقاليد في المنطقة.

المصادر

أحمد عبدالقادر شاذلي ، الدخيل في لهجة أهل الخليج، الدار المصرية للکتاب للنشر والتوزيع، 1992م.

أحمد القاضي، أسامة شلبي، المبسط في القواعد الهندية والأردية، أوراق للنشر والتوزيع، 2022م.

حمد محمد السعيدان، الموسوعة الکويتية المختصرة، الکويت: وکالة المطبوعات، ط2، 1981م.

Tarla Dalal, Dals ( Gujarati ), San̄jaya Dalāla, 2004