گماشة: رحلة في الجذور اللغوية والتاريخ الثقافي

گماشة: رحلة في الجذور اللغوية والتاريخ الثقافي

توفیق النصاري

كلمة "گماشة" تحمل في طياتها دلالات ثقافية عميقة مرتبطة بتراث الخليج البحري. ورغم ذلك، اكتسبت الكلمة بُعدًا آخر في الذاكرة الشعبية مع عرض المسلسل الكويتي "خالتي گماشة"، الذي جسدت فيه الفنانة حياة الفهد شخصية تركت أثرًا واسعًا على المجتمعات الخليجية ومنها مجتمع الأهواز. في هذا المقال، نستعرض أصول ومعاني كلمة "گماشة" في السياقين اللغوي والثقافي، لنفهم أبعادها الرمزية وتأثيرها مع تسليط الضوء على تأثير الشخصية الدرامية "گماشة" التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية.

الفنانة الكويتية حياة الفهد تعتبر واحدة من أبرز الأسماء في عالم التمثيل الخليجي، وهي تحظى بشعبية كبيرة في مختلف دول الخليج والعالم العربي. وفي الأهواز، يُعرفها الكثيرون باسم "گماشة"، وهو اسم الشخصية التي جسدتها في المسلسل الكويتي الشهير "خالتي گماشة"، الذي عُرض على شاشة تلفزيون الكويت سنة 1983 م. هذا المسلسل الكوميدي الاجتماعي كان له صدى واسع ليس فقط في الكويت، بل أيضًا في المجتمعات الخليجية التي كانت تتابع المسلسلات الكويتية بشكل خاص في تلك الفترة.

شخصية "گماشة" التي أدتها حياة الفهد كانت تجسد دور المرأة الكبيرة في السن التي تتولى مسؤولية عائلة كبيرة، حيث تتعامل مع العديد من التحديات والمواقف اليومية بشكل كوميدي، وتظهر بساطة في إدارة الأمور.

في الأهواز، تأثر الجمهور بشكل خاص بالمسلسل بسبب التقارب الثقافي واللغوي بين الخليج والأهواز، وكانت المسلسلات الكويتية من بين الأكثر مشاهدة في ذلك الوقت. ومن هنا جاء ارتباط اسم "گماشة" بحياة الفهد، حيث أصبحت تُعرف به لدى العديد من الأهوازيين رغم مرور أکثر من 40 سنة، وهو يعكس مدى عمق التأثير الذي أحدثته الشخصية في الذاكرة الجماعية للمجتمع الأهوازي.

قد يتبادر إلى الذهن أن معنى اسم "گماشة" هو القطعة من القماش (الخام) خاصة أن كلمة "گماش" تعني في البلدان الخليجية قطعة من النسيج إلا أن الكلمة تحمل معاني أعمق ترتبط بالسياق الثقافي البحري. صحيح أن كلمة "گماش" تُستخدم للإشارة إلى النسيج، إلا أن "گماشه" تحمل دلالة مختلفة تمامًا ويجب تفسيرها وفق السياق الثقافي المحلي الذي نشأت فيه.

في الخليج، يُطلق على اللؤلؤ الطبيعي اسم "گماش"، واللؤلؤة الواحدة تُسمى "گماشة". و"گماشة بن ياقوت" التي التصقت باسم صائدها معروفة في الکویت بعنوان أکبر گماشة تم اصطیادها، یقول خالد عبدالله: «معروف لدى أهل الخليج أن أكبر دانة ظهرت عندهم من هيرات قطر كانت لابن فاضل، وكانت تزن مثقال و 12 شو وهي أكبر من قماشة بن ياقوت المشهورة في الكويت»(2005م: 66) ومن هنا جاء اطلاق اسم گماشة علی المواليد الإناث فهذا الاسم یعتبر انعكاسًا دقيقًا لجمال وندرة اللؤلؤ الطبيعي، الذي لطالما كان جزءًا مهمًا من تراث الخليج البحري والاقتصادي.

اللؤلؤ في الثقافة الخليجية كان يُعد من أثمن الثروات الطبيعية التي يُعتمد عليها اقتصاديًا قبل اكتشاف النفط، وكانت عمليات الغوص لاستخراج اللؤلؤ من البحر تمثل جزءًا من هوية أبناء الخليج، حتى أن اسم مثل "گماشة" ارتبط بتلك الحقبة الغنية ثقافيًا واقتصاديًا.

إضافة إلى ذلك، يمكن القول إن "گماشة" تحمل أيضًا أبعادًا رمزية؛ فهي ليست مجرد لؤلؤة، بل تعبير عن رحلة الغواصين الشاقة، وعن الارتباط العميق بين الإنسان والبحر. كان هؤلاء الغواصون يخوضون المخاطر بحثًا عن اللؤلؤ، الذي لا يُعتبر فقط مصدرًا للثروة، بل رمزًا للجمال والصفاء الذي تشتهر به منطقة الخليج.

ويرتبط أصل كلمة "گماشة" بثلاثة آراء تعكس ارتباطًا عميقًا بالبيئة البحرية وسياقها الاجتماعي واللغوي. هذه الآراء تعبر عن تشابك الثقافات المحلية مع المفردات المستخدمة في الحياة اليومية، ما يجعل من الصعب في المرحلة الراهنة ترجيح أحدها على الآخر. فكل رأي يحمل بعدًا ثقافيًا ولغويًا يستحق التأمل.

1. الرأي الأول: مستوحاة من بياض القماش الناصع (استعارة لعلاقة المشابهة)

تُستمد كلمة "گماشة" من بياض القماش المصنوع من القطن الأبيض الخالص، الذي يرمز إلى النقاء والبساطة، تمامًا كما تعكس اللؤلؤة في جمالها وصفائها. حیث يمكننا أن نرى في استخدام كلمة "گماشة" للإشارة إلى اللؤلؤة نوعًا من التكريم لجمالها الخالص، تمامًا مثل القماش الأبيض، الذي يُعد رمزًا للنقاء في العديد من الثقافات. يقول الباحث الصادق محمد: «تطلق القماش على اللؤلؤ في الخليج ، والواحدة " قماشة " والتسمية مأخوذة عن بياض القماش»(1998م: 41). ويؤکد هذا الرأي الباحث خالد عبدالله کذلک ویقول: «لفظة (قماش) يطلقها سكان الخليج العربي على خامة (اللؤلؤة) بمختلف أشكالها ومفردها (قماشة)، وقد استمد أهل الخليج هذه التسمية من قماش الثوب الناصع البياض وذلك وفق ما أورده عدد من الرواة حول أصل هذه التسمية»(2005م: 23).

والربط بين بياض القماش المصنوع من القطن واللؤلؤة يعود إلى التشابه البصري بينهما؛ فكلاهما يُعبّر عن الصفاء والنقاء. ومن هنا جاءت هذه التسمية لتعكس عمقًا ثقافيًا يرتبط بالبيئة المحلية والاقتصاد البحري.

2- الرأي الثاني: المجاز المستوحی من الوعاء (العلاقة المحلية)

الرأي الثاني يشير إلى استخدام كلمة القماش في سياق مجازي لعلاقة المحلية حیث يربط القماش الذي يوضع فيه اللؤلؤ مع اللؤلؤ نفسه. يقول عبدالله خليفة شملان في کتاب "صناعة الغوص": إن «اللؤلؤ بعد أن يستخرج من المحار يقوم النوخذة بربطه في قطعة من القماش حمراء اللون تسمى "المخمل" وذلك حتى تزيد من بريق اللؤلؤ عندما ينظر إليه "الطواش" » (1993م: 106) . ویبرز هذا الرأي بشکل أوضح في قول الباحث " سعد سعود" في کتابه "أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية" : « نطلق كلمة كماش في اللهجة على اللؤلؤ الطبيعي ، حيث كان قديماً يوضع في صرة من القماش ، فأطلق على اللؤلؤ والاستعمال هنا مجازي علاقته المحلية»(2001م: 84) الاستعمال المجازي في هذه الحالة يعكس علاقة محلية وثقافية بين الأشياء المستخدمة في الحياة اليومية، مثل القماش واللؤلؤ، ويظهر كيفية تأثير البيئة البحرية وعمليات الغوص في تكوين المفردات والتعبيرات المحلية.

3. الرأي الثالث: مشتق من القَمْش بمعنى الجمع

يرى البعض أن الكلمة مشتقة من "القَمْش"، أي الجمع، یقول "غسان حسن" خلال هامش لتوضیح مفردة "گماشي" (قماشي) وهي واردة في قصيدة نبطية: «قماشي: لؤلؤي، وهي من الفصحی قمش بمعنی جمع من هنا وهناک، حال جامع محار اللؤلؤ من قعر البحر» (1990م: 163). قال الفراهيدي في"كتاب العين": «القمش: جمع القماش، وهو ما كان على وجه الارض من فتات الاشياء» (1409 هـ.ق: 5/47) وذکر ابن دريد: «القَمْش: قمشُك الشيءَ وجمعُك إِيَّاه» (1988م: 2/875) ويُعزز هذا الرأي ارتباط اللؤلؤ بعملية جمعه من قاع البحر. هنا، يُمكن تفسير الكلمة في سياق جمع اللآلئ من قاع البحر، مما يربطها بعملية الصيد والغوص، وهو نشاط أساسي في اقتصاد وثقافة الخليج.

ختامًا، تُعد كلمة "گماشة" نموذجًا حيًا لتفاعل اللغة مع السياق الثقافي والتاريخي، حيث تحمل دلالات متشابكة تجمع بين النقاء والجمال الرمزي الذي يرتبط باللؤلؤ، وبين الطقوس والممارسات المرتبطة بحياة الغوص والتراث البحري. عبر العصور، استطاعت هذه الكلمة أن تحفظ مكانتها ممتدة من أعماق البحار إلى شاشات التلفزيون. هذا الامتداد يعكس قدرة المفردات المحلية على التشكل وإعادة التشكل في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع المحافظة على جذورها ومعانيها المتعددة.

وفي حين أن الجدل حول أصول الكلمة ومعانيها يفتح آفاقًا جديدة للتأمل اللغوي والأنثروبولوجي، فإن ارتباطها بشخصية "گماشة" الفنية يبرز كيف يمكن للثقافة الشعبية أن تُعيد إحياء التراث وتحويله إلى جزء من الهوية المعاصرة. "گماشة" ليست مجرد كلمة؛ إنها مرآة تعكس التاريخ، التراث، والإنسان.

المصادر

ابن دريد (توفي 321 هـ) جمهرة اللغة، بیروت: دار العلم للملايين، ط 1، 1988 م.

خالد عبدالله، لؤلؤ الخلیج: ذاکرة القرن العشرین، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2005م.

سعد سعود، أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية، 2001م.

الصادق محمد، اللؤلؤ في الخليج: تاريخ، ثروة وثقافة، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 1998م.

عبدالله خليفة شملان ، صناعة الغوص، ع.ا.خ الشملان، 1993م.

غسان حسن، الشعر النبطي في منطقة الخليج والجزيرة العربية: دراسة علمية، أبوظبي: المجمع الثقافي، 1990م.

الفراهيدي (توفي 175 هـ) کتاب العين، ، ط 2، 1409 هـ.

"چرچیح" بين الحقيقة وسوء الفهم: رحلة كلمة من التراث إلى جدل حديث

"چرچیح" بين الحقيقة وسوء الفهم: رحلة كلمة من التراث إلى جدل حديث

توفیق النصّاري

يعدّ التراث الشعبي جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية، ويحمل في طياته كلمات ومفاهيم تعبر عن واقع المجتمعات وموروثاتها عبر الزمن. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد التفاعل بين الثقافات، باتت بعض الكلمات التراثية عرضة لسوء الفهم والتفسير الخاطئ. واحدة من هذه الأمثلة التي أثارت جدلًا هي كلمة "چرچیح"، حيث شاعت تفسيرات مغلوطة حولها بعد تداولها عبر أحد منشورات وسائل التواصل.

في منشور بتاريخ 2 نوفمبر 2024م، نشر شاب يُدعى "أحمد الزيدان" عبر حسابه في الإنستغرام (abo_sayf) مقطعًا يذكر فيه بيتًا من شعر الأبوذية التراثي، منسوبًا إلى الشاعر "عذبي الحميدي" المعاصر للشیخ خزعل، وردت فيه کلمة "چرچیح" والبيت کالآتي:


خزعل تغفر السایات والبد
وأنا اگرب لک من الخلان والبد
چم چرچیح شاف الفشگ والبد
وأنا عذیبي ال یذبها علی المنيّة

أثارت هذه الكلمة تساؤلات وتعليقات من المتابعين، حيث ذهب البعض إلى تفسير الكلمة بالخطأ على أنها تشير إلى "چرچیل" الإنجليزي، في إشارة إلى "ونستون تشرشل". أمام هذا السيل من التعليقات، شعر الناشر بالارتباك واضطر إلى تعديل منشوره، مؤكدًا في کبشن المنشور حصول لبس في التلفظ والصحیح هو چرچیل لا چرچیح. لكن المسألة لم تتعلق فقط بفهم الكلمة وإنما بثقة المتلقي وصاحب المنشور في الموروث اللغوي الشعبي الذي يتداولونه. تعكس هذه الحالة تأثير الفجوة بين الأجيال في فهم بعض الكلمات، وصعوبة المحافظة على دقة التراث في ظل تداول المعلومات بشكل سريع وغير دقيق.

تعتبر كلمة "چرچیح" من المفردات التي تعبّر عن مكانة الشخص ورفعة شأنه في اللهجة الأهوازية، حيث تُستخدم للإشارة إلى صاحب المقام الرفيع، أو الشخص الذي يمتلك سلطة وشأنًا كبيرًا كالقائد أو الشيخ المرموق. وتجمع كلمة "چرچیح" على "چراچيح" أو "چراچحه". وقد ظهرت هذه الكلمة في السياق الشعري الشعبي كدلالة واضحة على الشموخ والوجاهة. على سبيل المثال، استخدم الشاعر فالح الدسبول الكلمة ذاتها عند وصفه للشيخ خزعل، فقال:


"الألف آه مْن الدَّهَر وأفعَالَه
بَيَّس بْچَرچِيحنا وشَل حَالَه"

هذا البیت هو مطلع من قصيدة تعرف بـ"الألفية" لأنها تتبع ترتيب حروف الألفباء، الشطر الأول "الألف آه من الدهر وأفعاله" يعبر عن الألم والأسى من تأثيرات الزمن وتقلباته القاسية. وفي الشطر الثاني "بيّس بچرچيحنا و شل حاله" تحمل كلمة "بچرچيحنا" دلالة رمزية تُحيل إلى الشيخ خزعل تحديدًا.

عند العودة إلى أصول الكلمة، نجد أن الكلمة أصلها: "جحجيح"، محرفة عن "جحجح" وتأتي من يُجَحْجِحُ بالكَرَم أي يُبَادِرُ به، جاء في جمهرة اللُّغَة: «رجلٌ جَحْجَحٌ وجَحْجاحٌ، وهو السيّد» (ابن دريد، 1998م، 1/182). وفي المحيط في اللُّغَة: «الجَحْجَاحُ: [السَّيِّدُ] السَّمْحُ الكَريمُ، والجَميعُ: الجَحَاجِحَةُ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّه يُجَحْجِحُ بالكَرَم؛ كأنَّه يُبَادِرُ به» (ابن عبّاد، 1414 هـ.ق، 2/293)

إن هذه الملابسة التي حدثت بين صاحب الحساب والمعلقين، تعكس بشكل واضح أهمية توثيق المصطلحات وتوضيح معانيها بشكل وافٍ خاصة في ظل انتشار التفسيرات الخاطئة. فكثير من المتابعين قد لا يكونون على دراية كافية باللهجات والموروثات المحلية، مما يجعلهم عرضة لسوء الفهم. ولعل النقاش حول هذه الكلمة يدعونا إلى التفكير في ضرورة توثيق الكلمات التراثية وضمان استمرارية فهمها للأجيال القادمة.

وفي الختام يمكننا القول إن الكلمات الشعبية مثل "چرچیح" تحمل في طياتها قصصًا ومعاني عميقة تستحق التوثيق والاهتمام. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء للثقافة والموروث. لهذا، من المهم الحرص علی توضيح مثل هذه المعاني وترسيخ فهمها حتى تظل حاضرة وتحتفظ بقيمتها في الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة.

المصادر

الصاحب بن عباد (ت 385‏ هـ)، المحيط في اللُّغَة، بيروت: عالم الكتب‏، 1414هـ.ق‏.

ابن دريد، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين‏، ط 1، 1988 م.

رحلة مصطلح "سر مهر": تمازج ثقافي ولغوي عبر التاريخ

رحلة مصطلح "سر مهر": تمازج ثقافي ولغوي عبر التاريخ

توفيق النصاري

يستخدم مصطلح "سر مهر" في اللهجات العراقية للدلالة على أن الشيء جديد تماما ولم يُستخدم من قبل، وكأنه لا يزال في عبوته الأصلية، ويعبر عن حالة الكمال والجودة الأولية للمنتج. يُعبر هذا المصطلح عن ثقافة الاهتمام بالجديد وغير المُستعمل، حيث يحمل دلالة تُركّز على النقاء والأصالة التي تأتي من عدم تعرض الشيء لأي استخدام أو عبث. ولو أردنا العثور على مصطلح معادل لهذا التعبير في اللهجات العراقية اليوم، فيمكننا استخدام كلمة "بالپاكيت"، الذي يعبر عن نفس الدلالة لكن بروح أكثر معاصرة.

وقد أبدع الشاعر العراقي "موفق محمد" (مواليد 1948م) المعروف بـ"موفّق أبو خمرة" في توظيف هذا التعبير داخل بيت شعري فصيح، مستخدمًا كلمات عامية تضفي على النص طابعًا محليًّا وشعبيًّا، في قوله:

أفنيتَ عمركَ لم تقمْ من وجعةٍ

إلا وطحتَ بأخرى سرّ مهرٍ وانگس

يعتبر موفق محمد من الشعراء الذين يستلهمون من بيئتهم المحلية وتقاليدهم الشعبية، ويستخدم في قصائده أسلوبًا يجمع بين الفصيح والعامي، مما يضيف طابعًا فريدًا يعبر عن هموم الناس وواقعهم.وفي هذا البيت، يصور الشاعر تسلسل الأوجاع وتكرارها، حيث كلما خرج من ألم، وقع في آخر محكم الإغلاق، كأنه جديد وغير مفتوح. يعكس هذا التوظيف براعة الشاعر في إدخال العامية ضمن الفصيح.

بعض العراقيين يتلفظون هذا المصطلح باستخدام حرف الصاد بدلًا من السين، فيصبح "صَر مهر" بدلًا من "سَر مهر". يُعد هذا الإبدال من السين إلى الصاد شائعًا في اللهجات العربية، حيث يحدث هذا التغيير الصوتي كنوع من التكيف اللغوي المحلي. وقد استخدم هذا المصطلح بصیغته الثانية، شاعر من العراق باسم "کریم الرسام": فی قوله:

انه انطيتك گلب صرمهر مامجيوس

وتنكر هذا كله تگول شنطاني؟

والشاعر هنا يعبر عن خيبة أمله وعتابه الشديد. يقول إنه قدّم قلبه للآخر "صر مهر"، بمعنى جديد وغير مستهلك. ومع ذلك، ينكر الآخر هذا الحب ويستهين به، متسائلًا بلا مبالاة "شنطاني؟"، مما يظهر جحوده وعدم تقديره لمشاعر الشاعر وإخلاصه.

أما أصل هذا التعبير، فهو فارسي: "سر به مهر"، إذ يتكون من "سر" بمعنى الرأس أو أعلى الشيء ،و"به" بمعنى "بـ" كحرف يربط بين الكلمتين، و"مهر" التي تعني الختم. فالمعنى الحرفي للتعبير "سر به مهر" يصبح "مختوم من الأعلى" أو "مختوم من الرأس". هذا المعنى يشير إلى شيء مختوم تمامًا، مغلق بإحكام من جهته العليا، ويعطي انطباعًا بأن الشيء جديد، لم يُفتح بعد، ولا يزال في حالته الأصلية أو مغلقًا كما كان عند تصنيعه، وبالتالي فهو لم يُفتح أو يُستعمل بعد.

وقد شاع استخدامه في العهد العثماني، إذ كانت الوثائق السرية أو الأوامر الرسمية تُختم بـ"المهر"، وهو خاتم صاحب الأمر، لضمان الحفاظ على سرية المحتوى حتى وصوله إلى وجهته، وخاصة الأوامر الموجهة لحكام الأقاليم لتنفيذ تعليمات خاصة. ومع مرور الوقت، أصبح أصبح يُستخدم لوصف الأشياء الجديدة تمامًا التي لم يمسّها أحد، مما جعله تعبيرًا شائعًا في اللهجات العراقية الحالية.

وفي النهاية يمكن القول إن تعبير "سر مهر" في اللهجات العراقية ليس مجرد مصطلح يعبر عن شيء جديد وغير مستخدم، بل هو شاهد على التمازج الثقافي واللغوي بين الفارسية والعربية والعثمانية. يُظهر هذا التعبير كيف استطاعت اللهجات العراقية أن تحتفظ بمفردات ذات أصول مختلفة، معبرة عن مفاهيم لا تزال حاضرة بقوة في الحياة اليومية.

إشكالية التوثيق في الفضاء الافتراضي: (بتول خانم وجميل السلطنة) نموذجًا

إشكالية التوثيق في الفضاء الافتراضي: (بتول خانم وجميل السلطنة) نموذجًا

توفيق النصاري

في الفضاء الافتراضي، قد تُنسب صور شخصيات تاريخية إلى شخصيات أخرى ليس عن طريق السهو، بل أحيانًا نتيجة نقص المعرفة أو عدم التحقق من المعلومات مما يؤثر سلبًا على الرأي العام، حيث يؤدي إلى تشكيل انطباعات خاطئة عن الشخصيات والأحداث. عندما تُنسب صور غير دقيقة لشخصيات تاريخية أو معاصرة، يُمكن أن يتكون لدى الجمهور فهم مغلوط حول هويتهم ومكانتهم. هذه المعلومات المضللة تُسهم في نشر الشائعات وتعزيز الأخبار الزائفة، مما يزيد من حالة الارتباك بين الناس.

مثل هذه الأخطاء قد تتكرر عندما يُعاد نشر الصور بشكل واسع دون وعي كافٍ بالسياق الحقيقي لها، وهو ما يُبرز أهمية تعزيز الوعي بأهمية التحقق من المعلومات قبل مشاركتها.

نشر الأخ عادل العمراني على حسابه في إنستغرام (adel_al_omrani) یوم الثلاثاء 29 أكتوبر 2024 مقطعًا مرئيًا يعرض فيه مجموعة من الصور ويعلق عليها بصوته. تضمنت الصورة الأولى الشيخ خزعل ورضا قلي خان مافي، والثانية نظام السلطنة مافي، أما الثالثة فقد أشار إلى أنها بتول خانم زوجةالشیخ خزعل المعروفة بلقب "فخر السلطنة". لكن في الحقيقة، المعلومة التي ذكرها بشأن الصورة الثالثة غير صحيحة؛ فالصورة ليست لبتول خانم، ولا يوجد أي مصدر موثوق يؤكد ذلك. صور بتول خانم الحقيقية منتشرة على الإنترنت، ولا تشمل هذه الصورة التي عرضها العمراني في مقطعه.

"كما أن حساب "تاريخ إقليم الأهواز" في الإنستغرام (Tarikh_ahwaz-arabi) الذي ينشر المواضيع باللغة الفارسية قد نشر نفس الصورة في 24 يناير 2024، مع نص موجزه : صورة "بتول خانم" فخر السلطنة، ابنة حسين قلي خان نظام السلطنة مافي، زوجة الشيخ خزعل... .

وقبل ذلك، بتاريخ2 یونیو 2023، كان عادل العمراني قد نشرها وكتب بحرفه: «فخر السلطنة زوجة شيخ خزعل القاجارية التي مات في بيتها في طهران في منطقة دربند تجريش. اخذت هذه الصورة في شبابها و قبل زواجها من نصرت الملك ابن مظفرالدين شاه القاجاري . بعد أن طلقها نصرت الملك كان والدها مندوب القاجار في مدينة تستر و هناك تقدم عليها الشيخ خزعل و تزوجها»

قبل كل شيء، يجب تتبّع مصدر الصورة بعناية لضمان صحة المعلومات المنسوبة إليها. في هذه الحالة، نشرت الصورة قناة "ممالك مخروسه ایران" (qajariranhistory) الناشطة في تطبیق التلجرام، بتاريخ 23 سبتمبر 2016. وذُكر تحت الصورة باللغة الفارسيّة: "سيدة قاجارية بزيّ مختلف: ابنة أمير خان قاجار، من حفیدات فتحعلي شاه، وأيضًا زوجة الشيخ خزعل. المصدر لهذه الصورة هو "السيدة فري ملك مدني".

يذكر النص الذي ترجمته عن الفارسية أن الصورة مأخوذة من " السيدة فري ملك مدني"، لذا وجب التحقق عن خلفية السيدة فري ملك مدني، وتحديد مدى معرفتها بالتاريخ وثقافة القاجاريين، حيث يمكن أن تعزز أو تؤثر على مصداقية المعلومات المقدمة.

السيدة فري ملك مدني تُعتبر حفيدة أفسر الملوك بنت أميرخان، التي هي زوجة السيد هاشم ملك مدني. أفسر الملوك تكون شقيقة زوجة الشیخ خزعل المعروفة بـ"جمیل السلطنه". قرب فري من جميلة السلطنة وأفسر الملوك يعزز من مصداقية المعلومات والصور التي تُنشر عنها، إذ يُحتمل أن تكون هذه الصور دقيقة وتعكس الحقائق التاريخية بشكل موثوق.

هي جمیل السلطنة بنت اميرخان جلیل الدولة المتوفی سنة 1306 هـ.ش الذي لقب بسیف الدولة بعد وفاة والده سلطان عبد المحمد میرزا سیف الدولة سنة 1339 هـ.ق / 1299 هـ.ش (ایرج افشار، 1984م: 611) و(یحیی ذكا، 1997: 134) و(مهدی بامداد، 1968م: 2/102). سجل عبد النبي قيم لقب "أمير خان" في كتابه "فراز و فرود شيخ خزعل" بالخاء، مما جعله يظهر كـ "خليل الدولة" (عبدالنبی قیم، 1392 هـ.ش: 53). لكن المصادر المذكورة تذكره بالجيم أي "جليل السلطنة". ولا يُعرف ما إذا كان هذا الخطأ ناتجًا عن سهو أو خطأ مطبعي، مما يبرز أهمية التحقق من المعلومات التاريخية ودقة النقل لضمان صورة صحيحة للشخصيات.

تقول خیریه بنت الشیخ خزعل عن قصر جميلة: بسبب إحدى زوجات أبي التي تدعى جميلة، بدأ ببناء قصر أراد أن يكون فريدًا من نوعه في العالم. وقد تم تزيين كل ركن من أركان هذا القصر بأسلوب أنيق، وتم جلب أحجار الرخام من شواطئ البحر الروماني، ومهندسون معماريون ماهرون من اليونان وأثينا، والأحجار المنحوتة من شواطئ الخليج إلی المحمرة من أجل ذلك. لقد أنفق والدي الكثير من المال لدرجة أنه كان يقول أحيانًا إنه إذا جمع الأموال التي قدمها لبناء هذا القصر، فسوف يملأ قاعة بطول عشرة أمتار(اسماعیل رائین، 1378 هـ.ش: 390). وعن ليلة زواج جمیلة من الشیخ خزعل: في الليلة التي تم فيها إحضار جميلة عزيزة إلى قصر الشیخ خزعل، كان القصر ممتلئا بالنور لدرجة أنني لم أر مثل هذا الجمال مرة أخرى في حياتي. وتوجهت مجموعة من الموسيقيين من أوركسترا القصر الخاصة للقاء العروس وأحضروها إلى القصر وهي مغطاة بالجواهر وشالات كشمير (اسماعیل رائین، 1378 هـ.ش: 389).

ما حدث مع هذه الصورة خير مثال على تأثير تداول الصور غير الموثقة في الفضاء الافتراضي؛ فقد نُسبت خطًا إلى زوجة ثانية، مما أحدث لبسًا حول هوية الشخصيات وخلق انطباعًا غير صحيح عن حياة الشيخ وعائلته. أرى أن مثل هذه الأخطاء غالبًا ما تنجم عن نقص المعرفة أو عدم التحقق، ويُمكن أن تُشوّه الحقائق وتترك أثرًا مغلوطًا لدى الناس، خاصة عندما تتعلق بشخصيات تاريخية. لذا، أؤكد على أهمية التدقيق والتوثيق في النشر، تجنبًا لتكرار مثل هذه الحالات.

المصادر والمراجع:

بامداد، مهدي، شرح حال رجال ایران، كتابفروشى زووار، 1968م.

یحیی ذكا، تاریخ عكاسی و عكاسان پیشگام در ایران، شركت انتشارات علمی و فرهنگی، 1997م.

خسرو معتضد، خاطرات قائم مقام‌الملك رفیع: چهل و دو سال در دربار پهلوی، نشر قطره، 2004م.

اسماعیل رائین، فراموش خانه و فراماسوری در ایران، نشر رائین، ط 3، 1378.

ایرج افشار، چهل سال تاریخ ایران در دوره پادشاه ناصر الدین شاه، 1984م.

عبدالنبی قیم، فراز و فرود شیخ خزعل، طهران: كتاب آمله، 1392 هـ.ش.

صفحات الإنترنت:

عادل العمراني (adel_al_omrani)، تمت المراجعة بتاريخ 30 أكتوبر 2024 م علی الرابط التالي

https://www.instagram.com/p/CuNRO77M0in/?igsh=Y3M0anU0emxiNmc=

تاریخ اقلیم اهواز (Tarikh_ahwaz-arabi)، تمت المراجعة بتاريخ 30 أكتوبر 2024 م علی الرابط التالي:

https://www.instagram.com/p/C2fdV4PLvlU/?igsh=NTk5cXo4bHE3YmM1

قناة "ممالك محروسه ایران" (qajariranhistoryتمت المراجعة بتاريخ 30 أكتوبر 2024 م علی الرابط التالي:

https://t.me/qajariranhistory/192

مناظرة المنزح والمكينة:  بين تقاليد الزراعة وابتكارات العصر الحديث

مناظرة المنزح والمكينة:

بين تقاليد الزراعة وابتكارات العصر الحديث

توفیق النصّاري

في حدود سنة 1966، كان الناس في "كوت شنّوف" جنوبي عبادان يسقون بساتينهم بطريقة تقليدية باستخدام "المنزح"، وهو إحدى وسائل الري التي تلت عملية السحب اليدوي، وهذه الوسيلة أكثر تعقيدًا وتطورًا، يرفع الماء بها إلى الأعلى من منطقة أكثر عمقًا. كان هذا العمل مرهقًا ويستغرق ساعات طويلة من النهار، مما جعل الزراعة تحديًا يوميًا يواجه الفلاحون فيه الصعاب من أجل تأمين مياه كافية لمحاصيلهم. كان الفلاحون يعتمدون على أساليب قديمة، حيث كانت المياه تتسرب بصعوبة من مصادرها، مما يزيد من عبء العمل اليومي ويؤثر على إنتاجيتهم.

في تلك الفترة، جاء تحول كبير حين اشترى الحاج حميد بن أحمد السلامي، مكينة (مضخة) صغيرة لسحب الماء تعمل على النفط والبنزين. كانت هذه المضخة فرنسية الصنع اسمها "جاب" (2 إنج). وعندما شغّل الحاج حميد هذه المكينة لأوَّل مرة، شعر هو ومن معه بالفرق الشاسع بين الراحة التي وفرتها المكينة والتعب الذي كانوا يواجهونه يوميًا باستخدام "المنزح". كانت المكينة بمثابة الأمل الجديد للفلاحين، حيث وفرت لهم الوقت والجهد، مما سمح لهم بالتركيز على جوانب أخرى من الزراعة وتطوير ممارساتهم.

لقد نظم الحاج حميد قصيدة تروي حوارًا متخيلاً بين "المنزح" و"المكينة"، وهو حوار بين القديم والجديد، بين الجهد والراحة، وبين الإرث التقليدي والتكنولوجيا الحديثة. تُعتبر هذه القصيدة تقليدية بامتياز، حيث تصور حياة الفلاحين الزراعية وتعكس التحديات اليومية التي يواجهونها. تتميز القصيدة أيضًا بنبرة فكاهية، حيث تسلط الضوء على التباين بين العمل الشاق باستخدام "المنزح" والراحة التي توفرها المكينة.

وتُعَد هذه القصيدة شاهدًا على مجموعة من الكلمات الخاصة بضفاف شط العرب، التي قد تكون غريبة على جيل اليوم ولم يسمع بها من قبل، مما يعكس تراثًا لغويًا وثقافيًا غنيًا. كما تشتمل على كلمات أجنبية تعكس تأثير الحضارة الحديثة، مثل "التميزر" و"الپستن" و"المكينة"، مما يمنح النص عمقًا ثقافيًا ويجعل القارئ يستشعر روح تلك الحقبة.

كتبت القصيدة على طريقة المربع. تعكس أسلوب الحاج حميد في الكتابة توثيقًا شعريًا لهذا التحول الكبير في حياتهم الزراعية، حيث تتجلى فيها مشاعر الفخر والحنين إلى الماضي، وكذلك التفاؤل بمستقبل أفضل.

الجدير بالذكر أن هذه القصيدة لم تنشر من قبل، وكانت مدونة بخط ید سامر البدراني في دفترٍ يعود لفترة الحرب، وقد تحمل عناء كتابتها وإرسالها لي عبر تطبيق الواتساب، مما يمنحها أهمية تاريخية وشعرية فريدة. إن أهمية هذه القصيدة لا تكمن فقط في الكلمات، بل أيضًا في السياق الذي نشأت فيه، حيث عكست التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المنطقة. إلیكم القصيدة:

فرد مرّه چنت ساگي البستان

محاربني الوكت[1] والجسم تعبان

هذا ال شاهديته بعمري یا خلّان

و هذي قصّتي بس اسمعوها زین

***

لن ساعه بصفحنه[2] طلعت النا جیوش

یقدمها المنزح [3] راسه منه بجوش[4]

لاهي صخول[5] لاهي غنم لاهي وحوش

مجیّش ع المكينه[6] المنزح الصوبین

***

گعدوا بالطماطه[7] وصار عدها عتاب

المنزح والمكینه وگبّر العطاب[8]

دورك راح یا منزح طین وذاب

لا خشبه ولا یذعه ولا بندین[9]

***

آنا بالسگي سوّیت بالوعه

و انتَ ساگِیَك یشتكي من ضلوعه

لو غط[10] الدلو[11] وهوّس[12] علی اللوحه

حیله[13] راح منه وبادن الریلین

رد المنزح:

آنا زارعي یسگي بدلو مْأمن

لا بيَّ تُمیزَر لا مغر[14] پِستِن[15]

ما توجد غراضچ بالحسا[16] وجرمن[17]

و لا بانگلترا ولا منها بالبحرین

***

ردت المكینه:

آنا علی النهر لو عچل[18] مني صیاح

ذاك الیوم عیده وونسة الفلاح

و انتَ ساگیك من ویع[19] ظهره طاح

و آنا برنِّتي هـَ الخلگ متونسین

***

المنزح:

بسچ یا المكینه الحچي خلّي عاد

یشهد لي الدلو والخیّر النوّاد[20]

من دگ القلم[21] عیزتي كل استاد

لو برقچ[22] ضعف لو ما وصل بنزین

***

آنا بالسگي تاریخ الي مذكور

هذي اهل الحساویه[23] وبیرقي[24] المنشور

بالیذعه[25] المخوخه وبندي المعكور[26]

و البلّه[27] العتیجه[28] وذنّي[29] الحبلین

تظل قصيدة الحاج حميد بن أحمد شاهدة على التحولات العميقة التي شهدتها حياة الفلاحين في "كوت شنّوف"، حيث تعكس الصراع الأبدي بين العادات التقليدية والابتكارات الحديثة. لقد غيرت المكينة الصغيرة مسار الزراعة، وفتحت آفاقًا جديدة للفلاحين، مما منحهم الفرصة لتطوير ممارساتهم الزراعية وتحسين جودة حياتهم. يعكس الحوار بين "المنزح" و"المكينة" ليس فقط التحول التكنولوجي، بل أيضًا روح التكيف مع التغييرات، مما يبرز أهمية التواصل بين الأجيال المختلفة والاعتراف بالتاريخ والجهود التي بذلها الأجداد.

إن هذه القصيدة، المدونة تكتسب بعدًا تاريخيًا يجعلها أكثر من مجرد كلمات، فهي تمثل ذاكرة جماعية. تبقى قصة "المنزح" و"المكينة" رمزًا للانتقال من الماضي إلى المستقبل، وتجسد القدرة البشرية على تجاوز التحديات والسعي نحو الأفضل.


[1] كلمة "وكت" باللهجة الأهوازية (وهي مأخوذة من "وقت" باللغة الفصحى) تُستخدم للإشارة إلى "الزمن" أو "الدهر". الناس يصفون الزمن أو الدهر بكلمة "وكت" ربما لأن الوقت هو العنصر الذي يتحكم في مرور الحياة والأحداث، فيكون بهذا المعنى "الدهر" الذي يحمل في طياته كل شيء يحدث بمرور الزمن، سواء من مآسي أو أفراح. ، استخدام كلمة "وكت" للإشارة إلى "الدهر" أو "الزمن" هو في الواقع مجاز عن القوة الغامضة للدهر وتأثيراته على الحياة لأن "الوقت" ككلمة مجردة لا يحمل معنى الدهر أو القدر، بل يُستعار للإشارة إلى مرور الزمن وما يحمله من أحداث.

[2] الصفح من تقسمیات الأراضي الزراعية، وهو أکبر من البشتکة والمرضوفة. یمکن أن یضم الصفح عدة مراضیف.

[3] آلة بدائية تستخدم لسقي الأراضي. تعتمد على تصميم يتضمن عناصر مثل الجذوع والخشب والحبال والدلاء، وتُستخدم لاستخراج المياه من السواقي.

[4] الجوش هو الغليان من الفارسية: "جوش" والفارسية بورها استعارت الکلمة من العربية، جاء في لسان العرب: «جَاشَتِ القِدْر تجِيش جَيْشاً وجَيَشاناً: غَلَت»، إلا أن الحاج حميد استخدم الجوش في القصيدة کناية عن الغضب.

[5] الصخول تعني المواعز، والأصل في الفصحى هو سخول. لكن عندما تأتي السين قبل الخاء في العامية الأهوازية، تُنطق صادا. وهذه الظاهرة تلاحظ أيضًا في بعض اللهجات الأخرى مثل العراقية، مما يعكس التغيرات الصوتية في اللهجات العربية.

[6] المكينة هنا تعني مضخة مياه، والكلمة مستمدة من التركية العثمانية "makine"، وهي بدورها من الإيطاليّة: " macchina".

[7] التعبير "گعدوا بالطماطه" يُعتبر مجازًا مرسلًا في البلاغة، حيث يتم استخدام كلمة "الطماطم" للدلالة على الأرض المزروعة بالطماطم، وليس الطماطم نفسها.

[8] عبارة "گبّر العطاب" تعني اشتد لهيب النار، ولكن في هذا السياق يُقصد بها أن المناظرة والحوار اشتدتا وأصبحا ساخنين.

[9] بندين هو مثنى كلمة "بند"، والتي تعني الحبل.

[10] غط: غطّس. ورد في لسان العرب: «غَطّه فِي الْمَاءِ يَغُطُّه ويَغِطُّه غَطّاً: غَطَّسَه وغَمَسَه ومَقَلَه وغَوَّصَه فِيهِ».

[11] الدلو في آلة المنزح هو عبارة عن تنكة زيت تُقصّ بشكل مناسب لغرف المياه، تدار حافتها بغصن من شجرة التوث، ويربطونها من ثلاث جهات بحبال تتصل بخشبة تُسمى العود

[12] دق رجلیه، دبک.

[13] الحيل هو القوة.

[14] "الغر" يعني ملأ الشيء بالسائل، وبناءً عليه، فإن "المغر" يمكن أن يُعتبر مصدرًا يدل على عملية ملء الشيء بالسائل. لذلك، يُمكن القول إن "المغر" يشير إلى فعل ملء المکينة بالماء قبل التشغيل وذلك لضمان أن المضخة ت.دفع المياه مباشرة عند التشغيل دون الحاجة إلى الانتظار. هذا الإجراء يساعد في تحسين كفاءة المضخة ويضمن عملها بشكل صحيح من البداية.

[15] المکبس مأخوذة من الفارسية "پیستون" والفارسية من الفرنسية:" piston".

[16] الحسا، المعروفة أيضًا باسم "الأحساء"، هي مدينة تقع في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

[17] كلمة "جرمن" تُشير إلى "ألمانيا"

[18] عچل: تصاعد ضجيجًا.

[19] وجع؛ وقد أبدل حرف الجيم یاءً.

[20] النوّاد: من أجزاء المنزح، وهو آلة ري بدائية تُستخدم في نقل المياه. يتكون من عصا غليظة مربوطة من الثلث التحتاني بخشبة معروضة على جذعين تُسمى "التعارضة". يتميز النوّاد بأن طرفه التحتاني يحتوي على خصفة مملوءة بالطين، مما يساعد في تعزيز فعاليته أثناء عملية الري. أما طرفه الفوقاني، فيرتبط بعصا ثانية تُعرف بالعود والذي تربط فيه الدلو.

[21] القلم هو أداة يدوية مصممة خصيصًا لإنشاء الخدوش، الثقوب، والعلامات الدقيقة على الأسطح الصلبة. يُصنع من فولاذ صلب ويتميز برأس حاد وقاطع يتم الضغط عليه باستخدام مطرقة. سميت هذه الأداة بالقلم بسبب تشابهها مع الأقلام الكتابية.

[22] كلمة "برق" في الأهواز جاءت من الفارسية، حيث تُستخدم الكلمة بنفس المعنى للإشارة إلى الكهرباء. ويعود أصل الكلمة في الفارسية إلى التأثيرات العربية، حيث أن کلمة "برق" في العربية تشير إلى الوميض أو الضوء المفاجئ في السماء أثناء العواصف. هذا الاستخدام في الفارسية يعتمد على تشبيه الكهرباء بوميض البرق، لأن كليهما يتسم بالضوء والطاقة المفاجئة.

[23] الحساوية هي جمع كلمة "الحساوي"، التي تشير إلى نسبة إلى الأحساء. تُستخدم للإشارة إلى سكان أو أصول أهل الأحساء.

[24] البيرق هو علم يُستخدم لتمثيل هوية العشيرة أو القبيلة. يحمل دلالات رمزية قوية، حيث يُرفع في بعض المناسبات للتعبير عن الفخر والانتماء.

[25] كلمة "اليذعة" تشير إلى جذع النخلة، وفي هذا السياق، تم تبديل الجیم بياء.

[26] معکور: مشدود.

[27] تُعتبر "البلة" حصيرة تُنسج من الخوص. تفرش داخل المجرى الذي يصب فيه الدلو، حيث تلعب دورًا هامًا في تسهيل عملية نقل الماء .

[28] "العتيجة" باللهجة تعني "العتيقة" أو القديمة. تستخدم لوصف الأشياء أو الأماكن التي لها تاريخ طويل أو عتيقة في النمط. تُستخدم هذه الکلمة للإشارة إلى الأشياء القديمة أو التي تم استخدامها لفترة طويلة.

[29] "ذني" هو اسم إشارة يُستخدم في اللهجة للدلالة على المثنى، ويعني "هذان" أو "هذان الشيئان". يتم استخدامه للإشارة إلى شيئين قريبين من المتحدث، سواء كانا أشخاصًا أو أشياء.

تصحيح تاريخي: التباس حول هوية فريد خزعل في مقبرة ظهیر الدولة

تصحيح تاريخي: التباس حول هوية فريد خزعل في مقبرة ظهیر الدولة

نشر الأخ عادل العمراني مقطعًا مرئيًا على حسابه في إنستغرام بتاريخ 3 يونيو 2023، يتحدث فيه من داخل مقبرة ظهیر الدولة في طهران. في هذا المقطع، ركز العمراني على قبر "فريد خزعل" وتحدث عنه قائلًا إنه أحد أبناء الشيخ خزعل الصغار. هذه العبارة تمثل مغالطة فادحة، حيث إن فريد خزعل في الواقع ليس ابن الشيخ خزعل.

وقد كتب العمراني في النص المرفق بالفيديو: "قبر القبطان فريد ابن عبدالأمير ابن شيخ خزعل في طهران، مقبرة ظهیر الدولة في تجريش"، وهذا يشير إلى أن العمراني ربما لم ينشر المقطع إلا بعد مرور فترة من الزمن، حيث أن المعلومات في الوصف (الكبشن) تختلف عما ورد في المقطع، وقد يكون النص ناتجًا عن ملاحظة خاطئة وردته بعد التصوير.

هذا الالتباس في المعلومات يستدعي تصحيحًا وإيضاحًا دقيقًا، إذ إن "فريد خزعل" لا هو ابن الشيخ خزعل، ولا ابن عبدالأمير الشيخ خزعل. وينبغي أن أذكر أن عبدالأمير الشيخ خزعل له ولدان، هما صلاح الدين وراشد. من المهم التأكد من دقة المعلومات التاريخية عند الحديث عن شخصيات بارزة مثل الشيخ خزعل وأسرته، لتجنب نشر معلومات غير دقيقة تؤثر على فهم الناس لتاريخهم وثقافتهم.

إن كلمة "خزعل" الواردة على شاهدة قبر فريد هي لقب عائلي، ولا تعني أن فريد هو ابن الشيخ خزعل. ففريد هو ابن عبدالكريم الشيخ خزعل، الذي كان شخصية بارزة في عربستان آنذاك. أما والدته، فهي ملك الزمان، ابنة كريم خان النوري، الذي كان يُلقب بـ "بنان الدولة"، ووالدة السيدة ملك الزمان هي شرف السلطنة، ابنة محمد تقي الملقب بركن الدولة، الذي كان الأخ الأصغر للشاه القاجاري ناصر الدين شاه.

تجدر الإشارة إلى أن الموسيقار الشهير غلامحسين بنان، الذي يُعتبر من أبرز الفنانين في الموسيقى الإيرانية، هو شقيق السيدة ملك الزمان وخال فريد. وبالتالي، فإن فريد ينتمي إلى عائلة تجمع بين القوة السياسية والفن.

إن هذا الالتباس حول هوية فريد خزعل يعكس الحاجة الماسة إلى التدقيق في المعلومات التاريخية وتجنب الاعتماد على المصادر غير الموثوقة. فالشخصيات التاريخية مثل الشيخ خزعل وعائلته تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الهوية الثقافية، وأي خطأ في نقل الحقائق يمكن أن يؤدي إلى سوء فهم وإرباك في سرد الأحداث. لذلك، من الضروري على الباحثين والمهتمين بالتاريخ التأكد من دقة المعلومات وتوثيقها بشكل صحيح، للحفاظ على النزاهة التاريخية وتقديم الصورة الواضحة للأجيال القادمة.

المصادر

عادل العمراني، حساب (adel_al_omrani) في الإنستغرام، 3 يونيو 2023، تمت المراجعة بتاريخ 22 أكتوبر 2024 على الرابط التالي:

[https://www.instagram.com/reel/CuPd2slNlyA/?igsh=N3FocHZkeXBoMzYy](https://www.instagram.com/reel/CuPd2slNlyA/?igsh=N3FocHZkeXBoMzYy)