گماشة: رحلة في الجذور اللغوية والتاريخ الثقافي
گماشة: رحلة في الجذور اللغوية والتاريخ الثقافي
توفیق النصاري
كلمة "گماشة" تحمل في طياتها دلالات ثقافية عميقة مرتبطة بتراث الخليج البحري. ورغم ذلك، اكتسبت الكلمة بُعدًا آخر في الذاكرة الشعبية مع عرض المسلسل الكويتي "خالتي گماشة"، الذي جسدت فيه الفنانة حياة الفهد شخصية تركت أثرًا واسعًا على المجتمعات الخليجية ومنها مجتمع الأهواز. في هذا المقال، نستعرض أصول ومعاني كلمة "گماشة" في السياقين اللغوي والثقافي، لنفهم أبعادها الرمزية وتأثيرها مع تسليط الضوء على تأثير الشخصية الدرامية "گماشة" التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية.
الفنانة الكويتية حياة الفهد تعتبر واحدة من أبرز الأسماء في عالم التمثيل الخليجي، وهي تحظى بشعبية كبيرة في مختلف دول الخليج والعالم العربي. وفي الأهواز، يُعرفها الكثيرون باسم "گماشة"، وهو اسم الشخصية التي جسدتها في المسلسل الكويتي الشهير "خالتي گماشة"، الذي عُرض على شاشة تلفزيون الكويت سنة 1983 م. هذا المسلسل الكوميدي الاجتماعي كان له صدى واسع ليس فقط في الكويت، بل أيضًا في المجتمعات الخليجية التي كانت تتابع المسلسلات الكويتية بشكل خاص في تلك الفترة.
شخصية "گماشة" التي أدتها حياة الفهد كانت تجسد دور المرأة الكبيرة في السن التي تتولى مسؤولية عائلة كبيرة، حيث تتعامل مع العديد من التحديات والمواقف اليومية بشكل كوميدي، وتظهر بساطة في إدارة الأمور.
في الأهواز، تأثر الجمهور بشكل خاص بالمسلسل بسبب التقارب الثقافي واللغوي بين الخليج والأهواز، وكانت المسلسلات الكويتية من بين الأكثر مشاهدة في ذلك الوقت. ومن هنا جاء ارتباط اسم "گماشة" بحياة الفهد، حيث أصبحت تُعرف به لدى العديد من الأهوازيين رغم مرور أکثر من 40 سنة، وهو يعكس مدى عمق التأثير الذي أحدثته الشخصية في الذاكرة الجماعية للمجتمع الأهوازي.
قد يتبادر إلى الذهن أن معنى اسم "گماشة" هو القطعة من القماش (الخام) خاصة أن كلمة "گماش" تعني في البلدان الخليجية قطعة من النسيج إلا أن الكلمة تحمل معاني أعمق ترتبط بالسياق الثقافي البحري. صحيح أن كلمة "گماش" تُستخدم للإشارة إلى النسيج، إلا أن "گماشه" تحمل دلالة مختلفة تمامًا ويجب تفسيرها وفق السياق الثقافي المحلي الذي نشأت فيه.
في الخليج، يُطلق على اللؤلؤ الطبيعي اسم "گماش"، واللؤلؤة الواحدة تُسمى "گماشة". و"گماشة بن ياقوت" التي التصقت باسم صائدها معروفة في الکویت بعنوان أکبر گماشة تم اصطیادها، یقول خالد عبدالله: «معروف لدى أهل الخليج أن أكبر دانة ظهرت عندهم من هيرات قطر كانت لابن فاضل، وكانت تزن مثقال و 12 شو وهي أكبر من قماشة بن ياقوت المشهورة في الكويت»(2005م: 66) ومن هنا جاء اطلاق اسم گماشة علی المواليد الإناث فهذا الاسم یعتبر انعكاسًا دقيقًا لجمال وندرة اللؤلؤ الطبيعي، الذي لطالما كان جزءًا مهمًا من تراث الخليج البحري والاقتصادي.
اللؤلؤ في الثقافة الخليجية كان يُعد من أثمن الثروات الطبيعية التي يُعتمد عليها اقتصاديًا قبل اكتشاف النفط، وكانت عمليات الغوص لاستخراج اللؤلؤ من البحر تمثل جزءًا من هوية أبناء الخليج، حتى أن اسم مثل "گماشة" ارتبط بتلك الحقبة الغنية ثقافيًا واقتصاديًا.
إضافة إلى ذلك، يمكن القول إن "گماشة" تحمل أيضًا أبعادًا رمزية؛ فهي ليست مجرد لؤلؤة، بل تعبير عن رحلة الغواصين الشاقة، وعن الارتباط العميق بين الإنسان والبحر. كان هؤلاء الغواصون يخوضون المخاطر بحثًا عن اللؤلؤ، الذي لا يُعتبر فقط مصدرًا للثروة، بل رمزًا للجمال والصفاء الذي تشتهر به منطقة الخليج.
ويرتبط أصل كلمة "گماشة" بثلاثة آراء تعكس ارتباطًا عميقًا بالبيئة البحرية وسياقها الاجتماعي واللغوي. هذه الآراء تعبر عن تشابك الثقافات المحلية مع المفردات المستخدمة في الحياة اليومية، ما يجعل من الصعب في المرحلة الراهنة ترجيح أحدها على الآخر. فكل رأي يحمل بعدًا ثقافيًا ولغويًا يستحق التأمل.
1. الرأي الأول: مستوحاة من بياض القماش الناصع (استعارة لعلاقة المشابهة)
تُستمد كلمة "گماشة" من بياض القماش المصنوع من القطن الأبيض الخالص، الذي يرمز إلى النقاء والبساطة، تمامًا كما تعكس اللؤلؤة في جمالها وصفائها. حیث يمكننا أن نرى في استخدام كلمة "گماشة" للإشارة إلى اللؤلؤة نوعًا من التكريم لجمالها الخالص، تمامًا مثل القماش الأبيض، الذي يُعد رمزًا للنقاء في العديد من الثقافات. يقول الباحث الصادق محمد: «تطلق القماش على اللؤلؤ في الخليج ، والواحدة " قماشة " والتسمية مأخوذة عن بياض القماش»(1998م: 41). ويؤکد هذا الرأي الباحث خالد عبدالله کذلک ویقول: «لفظة (قماش) يطلقها سكان الخليج العربي على خامة (اللؤلؤة) بمختلف أشكالها ومفردها (قماشة)، وقد استمد أهل الخليج هذه التسمية من قماش الثوب الناصع البياض وذلك وفق ما أورده عدد من الرواة حول أصل هذه التسمية»(2005م: 23).
والربط بين بياض القماش المصنوع من القطن واللؤلؤة يعود إلى التشابه البصري بينهما؛ فكلاهما يُعبّر عن الصفاء والنقاء. ومن هنا جاءت هذه التسمية لتعكس عمقًا ثقافيًا يرتبط بالبيئة المحلية والاقتصاد البحري.
2- الرأي الثاني: المجاز المستوحی من الوعاء (العلاقة المحلية)
الرأي الثاني يشير إلى استخدام كلمة القماش في سياق مجازي لعلاقة المحلية حیث يربط القماش الذي يوضع فيه اللؤلؤ مع اللؤلؤ نفسه. يقول عبدالله خليفة شملان في کتاب "صناعة الغوص": إن «اللؤلؤ بعد أن يستخرج من المحار يقوم النوخذة بربطه في قطعة من القماش حمراء اللون تسمى "المخمل" وذلك حتى تزيد من بريق اللؤلؤ عندما ينظر إليه "الطواش" » (1993م: 106) . ویبرز هذا الرأي بشکل أوضح في قول الباحث " سعد سعود" في کتابه "أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية" : « نطلق كلمة كماش في اللهجة على اللؤلؤ الطبيعي ، حيث كان قديماً يوضع في صرة من القماش ، فأطلق على اللؤلؤ والاستعمال هنا مجازي علاقته المحلية»(2001م: 84) الاستعمال المجازي في هذه الحالة يعكس علاقة محلية وثقافية بين الأشياء المستخدمة في الحياة اليومية، مثل القماش واللؤلؤ، ويظهر كيفية تأثير البيئة البحرية وعمليات الغوص في تكوين المفردات والتعبيرات المحلية.
3. الرأي الثالث: مشتق من القَمْش بمعنى الجمع
يرى البعض أن الكلمة مشتقة من "القَمْش"، أي الجمع، یقول "غسان حسن" خلال هامش لتوضیح مفردة "گماشي" (قماشي) وهي واردة في قصيدة نبطية: «قماشي: لؤلؤي، وهي من الفصحی قمش بمعنی جمع من هنا وهناک، حال جامع محار اللؤلؤ من قعر البحر» (1990م: 163). قال الفراهيدي في"كتاب العين": «القمش: جمع القماش، وهو ما كان على وجه الارض من فتات الاشياء» (1409 هـ.ق: 5/47) وذکر ابن دريد: «القَمْش: قمشُك الشيءَ وجمعُك إِيَّاه» (1988م: 2/875) ويُعزز هذا الرأي ارتباط اللؤلؤ بعملية جمعه من قاع البحر. هنا، يُمكن تفسير الكلمة في سياق جمع اللآلئ من قاع البحر، مما يربطها بعملية الصيد والغوص، وهو نشاط أساسي في اقتصاد وثقافة الخليج.
ختامًا، تُعد كلمة "گماشة" نموذجًا حيًا لتفاعل اللغة مع السياق الثقافي والتاريخي، حيث تحمل دلالات متشابكة تجمع بين النقاء والجمال الرمزي الذي يرتبط باللؤلؤ، وبين الطقوس والممارسات المرتبطة بحياة الغوص والتراث البحري. عبر العصور، استطاعت هذه الكلمة أن تحفظ مكانتها ممتدة من أعماق البحار إلى شاشات التلفزيون. هذا الامتداد يعكس قدرة المفردات المحلية على التشكل وإعادة التشكل في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع المحافظة على جذورها ومعانيها المتعددة.
وفي حين أن الجدل حول أصول الكلمة ومعانيها يفتح آفاقًا جديدة للتأمل اللغوي والأنثروبولوجي، فإن ارتباطها بشخصية "گماشة" الفنية يبرز كيف يمكن للثقافة الشعبية أن تُعيد إحياء التراث وتحويله إلى جزء من الهوية المعاصرة. "گماشة" ليست مجرد كلمة؛ إنها مرآة تعكس التاريخ، التراث، والإنسان.
المصادر
ابن دريد (توفي 321 هـ) جمهرة اللغة، بیروت: دار العلم للملايين، ط 1، 1988 م.
خالد عبدالله، لؤلؤ الخلیج: ذاکرة القرن العشرین، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2005م.
سعد سعود، أصول لهجة البحرين: دراسة لغوية تاريخية صرفية نحوية، 2001م.
الصادق محمد، اللؤلؤ في الخليج: تاريخ، ثروة وثقافة، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 1998م.
عبدالله خليفة شملان ، صناعة الغوص، ع.ا.خ الشملان، 1993م.
غسان حسن، الشعر النبطي في منطقة الخليج والجزيرة العربية: دراسة علمية، أبوظبي: المجمع الثقافي، 1990م.
الفراهيدي (توفي 175 هـ) کتاب العين، ، ط 2، 1409 هـ.
