"مطر اللوز" في التداولات الشعبية: دلالات رمزية وتاريخية

توفيق النصّاري

كلمة "مطر اللوز" كانت تُستخدم في القرن الماضي للإشارة إلى الرشاش أو المدفع الرشاش، وتحمل معاني رمزية تتعلق بالقوة والشدة. تجاوزت هذه الكلمة معناها الحرفي في كثير من الأحيان لتكتسب بُعدًا مجازيًا في بعض السياقات. ومع مرور الزمن وتغير الظروف الاجتماعية والثقافية، قلّ استخدام هذه الكلمة بشكل كبير في العديد من المناطق، مثل العراق والأهواز والخليج، حتى باتت ذكرى بعيدة أو جزءًا من التراث الشعبي الذي يصعب استحضاره في السياقات المعاصرة.
كان معنى "مطر اللوز" جزءًا من اللغة اليومية، ولكن اليوم بات غامضًا أو بعيدًا عن متناول الجيل الحالي. لذلك، نجد أن هذه الكلمة غالبًا ما تُذكر بشكل عابر في الأحاديث، حيث يتم تداولها في إطار الحنين إلى الماضي أو كنوع من التحدي للمعاني ضمن منصات التواصل الاجتماعي حيث تُطرح كنوع من الأسئلة التي تثير الفضول دون أن تجد إجابة واضحة حول أصلها ومعناها الحقيقي.

في الأعراس الشعبية في الأهواز قديمًا، كانت النساء يغنين: "وياك اخذني يا مطر اللوز"، مما يعكس إشارة إلى رجل قد يكون المحبوب، وتُظهِر هذه العبارة ارتباطًا وثيقًا بالقوة والسلطة المتمثلة في هذا الرمز.

كما قد استُخدمت كلمة "مطر اللوز" في العديد من السياقات الشعرية، حيث نجدها تبرز في الأغاني والمواويل التي تمثل جزءًا من التراث الغنائي في المنطقة. ولعل الشاعر العراقي المعروف الملا عبود الكرخي (1861-1946م) كان أبرز من أبدع في توظيفها شعريًا، فقد وردت هذه الكلمة في أكثر من قصيدة له، ومنها قصيدة "المحالات"، التي قال فيها:

«يصير أنا للتیمسیه أنتمي
يصیر (مطر اللوز) يفحم قلمي
يصير تضعف عن بلادي شيمي
يصير بغله تفوق حمدانيّه»
(الکرخي، 1955م: 1/292)

يوضح الشاعر أن القوة العنيفة التي يرمز إليها "مطر اللوز" (الرشاش) لا يمكنها أن توقف قلمه، مما يعكس إصراره على التعبير عن أفكاره بحرية رغم الضغوط.

وفي قصيدة "النقّارة"، ينتقد الكرخي الأوضاع السائدة، قائلًا:

«ما شفنا من عدکم سوی الحیله وفتن
کلا ولا بیکم حميّه عالوطن
أبناء جلدتکم ضربتوهم اذا
بنبه و مطر اللوز من طیّاره»
(الکرخي، 1955م: 1/50)

استخدام "مطر اللوز" في السطر الأخير يشير إلى القصف الجوي.
كذلك، وردت الكلمة في موّال أدّاه الفنان العراقي جبار عگار (1922-2009) في الثمانينات وسط جمهور كبير بالكويت، حيث قال:

مرسوم جوه الحنچ مطر اللوز الماني
ودور فشگ ما لگی بعیونه تولاني

في هذا البیت من شعر "النايل"، يشير "مطر اللوز" إلى وشم على شكل رشاش ألماني مرسوم تحت حنك الحبيبة، مع توظيف الكلمة في سياق رمزي عاطفي يعبر عن الفتنة والجاذبية.
أما في الخليج، فقد لامست الكلمة وجدان البحارة الذين عاشوا حياة تمزج بين قسوة الأمواج وحنين الشواطئ لامست، حيث یذكر "حسین حسن مکي" في کتابه "سیهات والبحر" أن آل خريطة في سيهات بالقطيف كانوا يمتلكون سفينة جالبوت تحمل اسم مطر اللوز(2000م: 123و 136). في الخليج، عادةً ما تحمل السفن اسمين: اسم عام وآخر خاص. الاسم العام يحدد نوع السفينة واستخدامها، بينما يعكس الاسم الخاص العلاقة الشخصية أو الرمزية بين المالك وسفينته. الفارق بين الاسمين يكمن في أن الاسم العام يرتبط بالتصنيف الفني للسفينة، بينما يحمل الاسم الخاص دلالات شخصية أو تاريخية. وهنا إطلاق اسم "مطر اللوز" كاسم خاص للسفينة قد يرتبط برغبة في التعبير عن القوة والسرعة والبطش، وهي سمات تتماشى مع نفسية الرجل العربي الذي يميل إلى الفحولة. الاسم يحمل دلالات رمزية تعكس الشجاعة والقدرة على المواجهة، وقد يكون اختيارًا يعكس الفخر والتفاخر بالقوة والتفوق في بحرٍ يتسم بالتحديات.

قد يظن السامع لهذه الكلمة أن "مطر اللوز" مكون من كلمتين هما "مطر" و"لوز"، ويعلل ذلك بأن الرشاش يشبه المطر الذي يتناثر منه اللوز، كما في حالة الرصاصات التي تتناثر في الهواء مثل قطرات المطر. لكن في الواقع، كلمة مطر اللوز معرب كلمة mitrailleuse الفرنسية التي تُستخدم للإشارة إلى "الرشاش" أو المدفع الرشاش. مركبة من mitraille التي تعني "شظايا" بالفرنسية (يوسف محمد، 1996م: 790)، وهي أصلها من اللاتينية mitra بمعنى "شظية". و من لاحقة euse الفرنسية التي تُستخدم بشكل رئيسي لتحويل الأفعال إلى أسماء مؤنثة أو صفات تدل على الفاعلة أو المنفذة للعمل.
تُعدّ كلمة "مطر اللوز" أكثر من مجرد تعبير لغوي؛ إنها بوابة إلى عوالم ثقافية غنية، تنقلنا بين أصوات الرصاص وصدى الشعر، بين شجاعة البحارة وحنين العشاق. ورغم اندثار استخدامها اليومي، تظل هذه الكلمة حيةً في التراث الشعبي، شاهدة على قوة الذاكرة الجماعية وقدرتها على حفظ رموزها عبر الزمن. إن التأمل في هذه المفردة يفتح لنا نوافذ على دلالات رمزية تتجاوز حدود الزمان والمكان، مما يجعلها إرثًا ثقافيًا يستحق الدراسة والاحتفاء.

المصادر
حسین حسن مکي، سيهات والبحر: بحث تاريخي للحركة الملاحية في مدينة سيهات، دار المحجة البيضاء، 2000 م.
الملا عبود الكرخي، ديوان الکرخي، مطبعة المعارف، 1955م.
يوسف محمد، الكامل الكبير زائد قاموس اللغة الفرنسية الكلاسيكية والمعاصرة والحديثة فرنسي- عربي، مكتبة لبنان للنشر، 1996م.