من الأخطاء التاریخية في تسجیل الألقاب في الهوية  (لقب "صباحي مقدم" نموذجًا)

من الأخطاء التاریخية في تسجیل الألقاب في الهوية

(لقب "صباحي مقدم" نموذجًا)

من المعروف أن أول سجل (بطاقة هوية) في إيران صدرت سنة 1297 الشمسية (1918 م)، وکانت هذه البطاقة تعرف بین العامة ب "سجل" وإدارة الأحوال المدنية کانت تُسمی "اداره سجل احوال" .و السجلات دخلت الأهواز بعد القضاء علی حکم الشیخ خزعل سنة 1925م.

وقد اطلعت علی سجلات منظمة لعرب أهوازیین سنة 1928 م وبعدها، منها سجل "حمادي عامري" وهو الحاج حمادي بن عثمان بن حسون، صدر في مدینة الأهواز، سنة 1307 الهجرية الشمسية (1928م)؛ وسجل عبدالرضا کعبي وهو عبدالرضا بن علي بيک بن حسون صدر في مدینة الأهواز سنة 1307 الهجرية الشمسية (1928م)؛و سجل "علي قريشي" وهو الحاج علي بن يعقوب بن طعمة الذي صدر في مدینة الأهواز سنة 1308 الهجرية الشمسية (1929م).

كان مسوؤلو التسجیل من غیر العرب غالبًا وعدم معرفتهم باللغة والثقافة العربية تسبب في ظهور ألقاب غیر مطابقة لماهو شائع عن حاملیها، ولکن بمرور الزمن أصبحت هذه الألقاب الخاطئة متداولة. ومن هذه الألقاب، لقب "صباحي مقدم". ینتشر هذا اللقب في مدینة الفلاحية وقراها والمدن المجاوره لها. وهو کما أری دون بشکل خاطئ في بداية التسجیل.

إن هذا اللقب مکون من شقین، الأول "صباحي" والثاني "مقدم" وهو اسم عشیرة معروفة من عشائر بني کعب. سأترك الشق الثاني من اللقب وأرکز علی الشق الأول. من یتمعن في الشق الأول أي "صباحي" سیظنه منسوبًا لـ"صباح" ولکن الحقيقة غیر ذلك. إن "صباحي" أصله "اسباهي" فدون مسؤول دائرة الأحوال المدنية السین صادا و الهاء حاءً. وهو اسباهي بن محمود بن عبداللّه بن عطاءاللّه زعیم عشیرة مقدم، أحفاده يعرفون الیوم بـ"بیت سباهي" کما تنسب له قرية السباهیة في الدورق.

أقدم ذکر لهذه القرية عثرت عليه في خريطة رسمها لايارد ونشرت في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن سنة 1846م (Layard A.H (1846): 1-105). وقد ذکر لوريمر سنة 1908م، هذه القرية فقال: تقع علی الضفة اليمنی من نهر الجراحي، يقطنها فرع المقدم من کعب، يبلغ الإنتاج السنوي خمسة آلاف من هاشمي من الأرز ومثله من القمح والشعير. (لوريمر، 2/679).

و ورد اسم سباهي في مخطوطة تاریخ بنی کعب للحاج علوان الشویکي: « لمّا وقعت الفتنة بین القبیلتین من کعب، طوائف الدریس و سایر من یتبعهم المتعصبین للشیخ فارس بن الشیخ غیث علی تحکیمه، و باقي طوایف کعب من شریب بن شناوة بن محم د بن سباهي رئیس مقدم و ذیاب بن سالم بن محمد بن عربید رئیس الخنافرة ، و سائر من یتبعهم من کعب المتعصبین إلی الشیخ لفته بن الشیخ مبادر علی تحکیمه غرة شهر المحرم سنة ۱۲۸۰ الثمانین و المایتین بعد الألف من الهجرة إلی یوم السبت الحادي و العشرین من شهر صفر من هذه السنة المزبورة»

واسباهي اسم علم کان يطلق علی الذكور في الأهواز والعراق، معناه في عامية الاهوازيين والعراقیین هو "الفارس أو الخيال. مأخوذة من الترکية العثمانية: "سپاهي" أي صنف من العساکر الفرسان (الأنسي، د.ت: 290). وصحیح أن هذا الاسم أخذ من الأتراک الا أنه هو من أصل فارسي: "سپاهی" من "سپاه" (جيش، قطعة عسکرية کبيرة) و "ي" النسبة. أخذه العثمانيون من الفرس وتطور مدلوله ليصبح في العصر العثمانية «صنف من العسکر يقصد بهم فرسان الجيش العثماني». (الخطيب، 1996: 27). کان هذا اللقب نموذج من بین ألقاب کثیرة قیّدت بشکل خاطئ في بداية التسجل واستمرت مع الزمن.

المصادر:

الأنسي، محمد علي، قاموس اللغة العثمانية "الدراري اللامعات في منخبات اللغات" د.د، د.ت.

الخطيب، مصطفى عبدالكريم، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية العثمانية، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 1996م.

الشویکي، الحاج علوان، "تاریخ بنی کعب"، مخطوط ، 1351 هـ.ق.

لوريمر، دليل الخليج (القسم الجغرافي)، ج 2/ ص 679.

Layard A.H., A Description of the Province of Khúzistán, Journal of the Royal Geographical Society of London 16 (1846) 1-105

لایذ الفیاض: صرخة اليزلة الشعبية في وجه الطمس الثقافي

لایذ الفیاض: صرخة اليزلة الشعبية في وجه الطمس الثقافي

توفيق النصاري

في تاريخ الأدب الشعبي في الأهواز، برزت شخصيات جعلت من الكلمة سلاحًا ومن الصوت مقاومة، ومن بينهم "لایذ الفیاض" أو "لايذ الهلالي"، الذي يُعد من أبرز كُتّاب "اليزلة"(الهوسة) في منتصف القرن الماضي. امتازت أعماله بطابعها الحماسي، حيث عبّرت عن الغضب الجماعي والفخر الجماعي بالهوية العربية في مواجهة محاولات الطمس الثقافي. وشكلت يزلاته مرآة للواقع السياسي والاجتماعي للعرب في الأهواز خلال حكم العائلة البهلوية، ولا يزال صداها يتردد في الذاكرة الشعبية، رغم قلة المعلومات المتوفرة عن حياته الشخصية، بما في ذلك تاريخ ولادته ووفاته.

يزلة تشييع الشیخ چاسب: صرخة غضب ضد الطمس الثقافي

لم تكن يزلات لایذ الفیاض مجرد كلمات، بل كانت مواقف موثقة تعبّر عن إحساس جماعي بالقهر والصمود. واحدة من أبرز محطاته كانت في عام 1949م، عندما ألقى واحدة من أشهر يزلاته خلال تشييع جنازة چاسب بن الشيخ خزعل في المحمرة. كان الحدث يحمل أبعادًا سياسية واجتماعية، حيث جسّد رمزية الغضب الشعبي ضد سياسات الدولة المركزية التي فرضت تغييرات جذرية على الهوية العربية، بما في ذلك حظر الأزياء التقليدية وفرض القبعة البهلوية بدلًا من "الچفيّة" والعقال. وقد رواها لي کاتب الیزلات "حميد العيداني" سنة 2020م كما يلي:

خل تحزن عربنا وخل تكشف الروس

عَلى فجعة ملكها وصاحب الناموس

نزعوها القوارة وذبّوا الطربوس

وجفّية چاسب لبسوها

تجسّد هذه الیزلة رفض سياسات الطمس الثقافي، وخاصة فرض الزي الغربي الذي كان جزءًا من حملة لطمس الهوية الثقافية. تشير كلمة "الطربوس" إلى القبعة البهلوية التي فرضت في أنحاء إيران الحديثة سنة 1928م، وهي تحريف لكلمة "طربوش"، مما يعكس التبديل المعتاد في نطق المفردات داخل اللهجة الدارجة.

الطابع الحماسي في يزلاته

إلى جانب طابعها الاحتجاجي، حملت يزلات لایذ الفیاض نبرة فخر واعتزاز بالعروبة. كان يوظف كلمات تعكس الكبرياء الجماعي، مستخدمًا "حنّ" بمعنى "نحن" في سياقات تؤكد القوة والوحدة. على سبيل المثال:

حِنَّ أولاد يَعرُب من ظَهَر قَحطان

و حِنَّ هْدِيب نُوگَف للفِشَگ نِيشان

حِنَّ بْيوم عَيهِن يِشهَد الميدان

رِد مالک مَلعَب ويَّانا

وکذلک له:

حِنَّ بْيُوم عَيهِن نِنکِس الرَّايات

وحِنَّ مُوت الأگشَر هادِم اللَّذات

حِنَّ أهل المُلِک ونْدِگ غَصب ثايات

نترابع للحَد ونْشِيله

وله أيضًا:

حِنَّ مُوت الأحمَر حِنَّ أهَل طاعُون

حِنَّ رْبات نِيبه ونِلعَب بْکِل کُون

نعرِس بِالحرب ونْدِگ طَبُل تِدرون

نُمطُر دَم يُوم ال شَر بِينا

تعكس هذه اليزلات الثلاث روح الفخر الجماعي التي تتجاوز مجرد الاعتداد بالنفس لتتحول إلى هوية متماسكة متجذرة في التاريخ والميدان. إنها ليست مجرد أبيات، بل إعلان عن وجودٍ صلبٍ لا يتزحزح، حيث تُختزل الشجاعة في أفعال جماعية، لا فردية، وحيث يصبح الموت والحرب امتدادًا طبيعيًا للحياة، لا نقيضًا لها. في هذه الصرخات، يتجلى الإحساس العميق بالانتماء، ليس فقط للقبيلة أو العشيرة، بل لكينونة عربية راسخة لا تهتز أمام التحديات.

لایذ الفیاض: صوت لا يموت

على الرغم من مرور عقود على رحيله، لا تزال يزلات لایذ الفیاض تُردد في المجالس الشعبية وميادين الهوسة، شاهدةً على مرحلة من التاريخ كان فيها الشعر الشعبي أداة صمود. حتى اليوم، يستشهد الیزّالة الشعبيون بكلماته في مختلف المناسبات، مما يدل على عمق تأثيره في الذاكرة الجمعية.

وفي الختام كان لایذ الفیاض أكثر من مجرد شاعر شعبي؛ لقد كان شاهدًا على مرحلة من التحولات السياسية والثقافية، وعبّر عن روح التحدي في مواجهة سياسات التغيير القسري. لم تكن يزلاته مجرد کلمات شعرية، بل كانت صرخات احتجاج تردد صداها تعبيرًا عن الهوية والكرامة. ورغم مرور الزمن، لا تزال كلماته تُروى على ألسنة الیزّالة الشعبيين، شاهدةً على إرث ثقافي لا يمحوه النسيان.

وصية الملا فاضل السكراني

وصية الملا فاضل السكراني

کثير من الشعراء أوصوا أن تنحت على شواهد قبورهم أبياتًا شعرية کتبوها خصيصًا لهذا الغرض أو أبياتًا مستلة من قصادهم الشهيرة. يروى أن الشاعر أبو العلاء المعري كان قد أوصى أن يكتب على شاهد قبره البیت الآتي:

"هذا ما جناهُ عليَّ أبي

وما جنيتُ على أحد"

والشاعر العراقيّ المعاصر "محمّد الجواهري" طلب أن يُكتب على شاهد قبره بيتًا من مطلع قصيدته الشهيرة "يا دجلة الخير" :

"حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني

يا دجلة الخير، يا أمّ البساتين"

أما شاعرنا الأهوازي"الملافاضل السکراني" طلب أن تُكتب على شاهد قبره الأبوذية الآتية:

الِي جُودَك يَاربّ الجود يامن

وجودك وال دخل بحماك يامن

وِفَدت بغير زاد عليك يامن

رحمتك واسعه وجنتك زهيَّه

وهو مجاراة کما یبدو لبیتین قیل کتبهما الإمام علي بن أبي طالب علی کفن سلمان، أذکرهما دون تأکید صحة النسب:

وفدت على الكريم بغير زاد

من الحسنات والقلب السليم

فحمل الزاد أقبح ما رأينا

إذا كان القدوم على الكريم

"الچوپا" ": جذور التسمية واستخداماتها في اللهجة الأهوازية

"الچوپا": جذور التسمية واستخداماتها في اللهجة الأهوازية

توفيق النصاري

تلعب الأسماء والمصطلحات دورًا مهمًا في تشكيل الذاكرة الثقافية لأي مجتمع، إذ لا تقتصر على وظيفتها اللغوية المباشرة، بل تتداخل مع العادات والتقاليد اليومية، لتصبح رموزًا تعبّر عن أنماط الحياة وتجارب الناس. في اللهجة الأهوازية، برزت تسمية "الچوپا" كإحدى هذه المصطلحات التي تجاوزت معناها الأصلي المرتبط بدراجة نارية، لتتحول إلى جزء من الوعي الاجتماعي، سواء في الألقاب أو في الأغاني الشعبية. يهدف هذا المقال إلى استكشاف أصول هذه التسمية، ودلالاتها، وكيف أصبحت جزءًا من التراث الثقافي المتداول في المنطقة.

الچوپا، كما يطلق عليها الأهوازيون، هي دراجة نارية ضخمة وسريعة، كانت تُصنع في شركة Motorenwerke Zschopau GmbH الألمانية، التي عُرفت اختصارًا باسم "MZ". تأسست هذه الشركة عام 1906 في مدينة تشوباو (Zschopau) بألمانيا، وظلت تنتج الدراجات النارية حتى أغلقت في 12 يناير 2008 نتيجة لتدهور أوضاعها المالية.

تعود تسميتها في اللهجة الأهوازية إلى النطق الفارسي لجزء من اسم الشركة، حيث يُطلق عليها "چوپا" نسبة إلى "Zschopau"، وهو اسم المدينة التي تأسست فيها الشركة. وقد دخلت هذه التسمية إلى الأهواز بعد أن تم تحديد اسمها في البيئة اللغوية الفارسية، كما هو الحال في العديد من الأسماء التي تُحدد عند الاستيراد وتنتشر في مختلف أنحاء إيران.

أما "فرخ چوپا"، فهي التسمية التي كانت تُطلق على النسخة الأصغر من تلك الدراجة النارية. هذه التسمية تتكون من كلمتين: "فرخ"، وهي كلمة عربية تعني "وليد الطائر" أو "الصغير"، وتُستخدم أيضًا للإشارة إلى أي شيء صغير الحجم في الحيوانات والنباتات، أما الجزء الآخر من التسمية، "چوپا"، فهو يأتي من اسم الشركة ومكان تأسيسها في چوپا (النطق الفارسي) أو تشوباو (الکتابة العربية). كان اسم الچوپا قد ورد أيضًا في أغاني شعبية تُغنى في الأعراس، حيث كانت تُردد النساء في إحدى الأغاني الشهيرة:
"يا ال راكب الچوپا لا تمشي سرعة... يا الله
بالعلوة والنصّه قلبي تقطعه... يا الله"
في الأغنية، تعبر المرأة عن خوفها من سرعة سائق دراجة "الچوبا" وهي تراه يمر أمامها. طلبها بتخفيف السرعة ليس فقط خوفًا على سلامته، بل أيضًا تعبيرًا عن عاطفة محمومة، حيث يختلط القلق بالحب. قلبها "يتقطع" لأن قلبها يرتبط به، وكلما أسرع، كلما زادت مشاعرها القلقة تجاهه. الأغنية تحمل روحًا من الغزل، حيث يكون الخوف في الحقيقة تجسيدًا لتعلقها العميق به، وهو ما يعكس الجمال العاطفي في اللحظة، وتورطها في مشاعر الحب تمامًا كما يعبر ابن الفارض في قوله:

"خفّفِ السيرَ واتّئِدْ يا حادي
إنّما أنتَ سائقٌ بفُؤادي"

نجد أن كلمات الأغنية تعكس نفس الفكرة العاطفية. في كلا النصين إشارة إلی المشاعر التي قد تؤدي إلى الفقد أو الألم. تكمن العاطفة في هذه الكلمات في أن الحركة الحانية أو التباطؤ هي ما يحتاجه القلب ليظل آمنًا في طريقه.

ومن خلال استعراض العلاقة بين الدراجة النارية "چوپا" واستخداماتها في اللهجة الأهوازية، نجد أن هناك ارتباطًا قويًا بين الأشياء والرموز التي تحملها في ثقافة المجتمع. ولم يكن اسم "چوپا" مقتصرًا على الدراجة النارية فقط، بل ارتبط أيضًا باسم شخص من مدينة عبادان، وهو "محمود چوپا"، الذي يسكن منطقة الطابوگ وهو محمود بن خضير العباداني. وقد بقي اللقب "چوپا" ملتصقًا به لسنوات طويلة بسبب الدراجة التي كانت تشتهر في تلك الفترة. هذا الارتباط بين الشخص والدراجة يعكس كيف تُترجم الأشياء اليومية في الحياة الأهوازية إلى رموز ثقافية متداولة، مما يعزز قوة التأثير الذي تتركه هذه الرموز في حياة الناس وفي بناء هويتهم الثقافية.

وختامًا، تُظهر استخدامات کلمة "چوپا" في اللهجة الأهوازية كيف أن الكلمات قد تتحول إلى رموز ثقافية عميقة تظل حاضرة في الذاكرة الجماعية. ليست الأغاني وحدها أو الألقاب هي التي تساهم في تأصيل هذه الکلمات، بل السياق الثقافي المحيط بها، إذ يمكن لكلمة مثل "الچوپا" أن تصبح جزءًا من الموروث الشعبي وتتشبع بالمعاني التي تتجاوز أصلها، لتظل حاضرة في الوعي الاجتماعي. وبالتالي، لا يختلف الأمر لو كانت الكلمة تشير إلى نوع آخر من الأشياء، فالأهم هو كيفية تطور الكلمة وتراكم الدلالات الثقافية حولها عبر الزمن.

كلمة "الراوندي" في اللهجة الأهوازية

كلمة "الراوندي" في اللهجة الأهوازية

تطلق کلمة الراوندي في اللهجة الأهوازيّة وکذلک القطيفيّة، وربما لهجات أخری، علی الشخص المتقلِّب الذي لا يَثْبُتُ على حالٍ، والمتغيِّر المزاج، کالحرباء التي تدور مع الشمس كيف دارَت، يقولون: "يولي هذا الراوندي" أي متقلّب.

ولهذه الکلمة وهذا الاستخدام صلة بـ"أبي الحسين أحمد الراوندي" کما یبدو، إذ شهدت حياته تحولات مذهبية وفكرية كبيرة فقد كان في البداية من المعتزلة ولكنه تحول عنها وانتقدها ثم اعتنق لفترة وجيزة المذهب الشيعي ثم تحول بعدها ليصبح واحد من اللاأدريين فألّف كتابًا يطعن فيه على نظم القرآن.وقد ورد عنه في کتاب الفهرست لابن نديم (متوفی 380 هـ): «وأکثر کتبه الکفريات ألفها لأبي عيسی اليهودي الأهوازي وفي منزل هذا الرجل توفي» (301). وكانت وفاته «على مايقول المسعودي وابن خلكان حوالي سنة 250 للهجرة، وقال ابن جوزي وابن تغرى بردی إنه توفي سنة 248 » (شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي "العصر العباسي"، 102)

أما لقبه الراوندي فهو نسبة إلی بليدة "راوند" الواقعة بين إصفهان وكاشان، قال المدني (متوفی 1120 هـ) عن هذه بليدة : «راوند: ... بُلَيْدَةٌ بنواحي إِصْبَهَانَ، و إِليها يُنسَبُ أَبو الحسينِ أَحمدُ ابنُ يحيى الرَّاوَنْدِيُّ المُلحِدُ الزِّنديقُ» (الطراز الأوَّل، 5/384).

ویحتمل أیضا أن تکون الکلمة تطورت دلالیا عن استخدام قدیم کانوا یریدون به فرقة الراوندية التي تعود بالأصل إلى الديانة المزدكية «وقد اعتقد الراوندية بأن العباسیین أحق من غیرهم بالخلافة ودانوا بآراء متطرفة حول طبیعة الإمام حتی أنهم قالوا بأن الإمام الهًا أو أنه نبي وان أرواح الأئمة تتناسخ من واحد إلی آخر» (فؤاد عمر، الثورة العباسية، 171) وسميت بالراوندية نسبةً إلى راوند التي مر ذكرها.

وتعدُّ راوند في العصر الحالي مدينة تابعة لمقاطعة کاشان في محافظة اصفهان وسط إيران. وعن أصل اسم هذه البليدة، قال ياقوت الحموي (متوفی: 620 هـ): « راوَنْد: بفتح الواو، و نون ساكنة، و آخره دال مهملة: بليدة قرب قاشان و أصبهان، قال حمزة: و أصلها راهاوند، و معناه الخير المضاعف» (معجم البلدان، 3/19).

قلية سمچ

قلية سمچ

قلية السمچ" هي مرقة شهيرة تُعمل من سمك البحر، خاصة الهامور والشماهي، و الثوم والکزبر والتمر الهندي؛ تؤکل ثريدًا مع البصل والليمون والدقّوس أو تؤکل مع التمن.

انتقلت هذه المرقة مع الأبوشهريين المهاجرين إلی عبادان. وجود حرف القاف في اسم هذه المرقة أي قلية - لا گلية أو جلية- يدل علی أنها لم تکن رائجة في الأهواز، فالأهوازيين لم ينطقوا هذا الحرف في بداية القرن الماضي.

أما عن اسمها فهو عربي فصيح، قال الفراهيدي في کتاب العين: « القَلِيَّةُ: مرقة من لحم الجزور و أكبادها» (5/215).وقد انتقلت هذه المرقة من عبادان إلی باقي المدن الأهوازيّة لاسيما بعد الحرب الإيرانيّة العراقيّة.

والجدیر بالذکر أن قبل انتشار القلية کانت مرقة سمك أخری حمراء اللون منتشرة علی نطاق واسع في المنطقة تعرف ب"الصالونة" أعطت مکانها شيئًا فشيئًا للقلية.

ابو الحسن في عبادان

ابو الحسن في عبادان

توفيق النصاري

أورد الأستاذ في جامعة الأهواز الحكومية "علي بحراني پور" في كتابه "آبادان" مقامًا باسم " سيد ابوالحسن تهامي" ضمن مقامات مدينة عبادان، قائلا أنه يتعلق بأحد السادة التهامية ويقع في منطقة تانكي ابوالحسن (بحراني پور، ۱۳۹۲ ه.ش: ص ۱۰۰). رأيت من الواجب الرد علی هذا القول وتبیین الحقیقة خدمة للعلم والمعرفة وذلك من خلال الاستعانة بوصية السيد علي بن السيد محمد ابو تاوة التهامي المکتوبة بلغة عامية في أول يوم من محرم سنة 1352 الهجرية القمرية.

المقامات (تلفظ في اللهجة العامية: مگامات/واحدها "مگام"، ) هي أضرحة الأولياء والصالحين تأتيها الناس طلبًا للبركة، ويمكنهم الاقتراب من الضريح والدعاء والتبرع ببعض المال. لم یکن "ابو الحسن" في الأساس مقامًا بل خطوة قدیمة قبل أن یصلها التهامییون ولا یوجد شخص باسم "السید ابو الحسن التهامي"، کتب السيد علي بن السيد محمد في وصيته : «انی السيد علي بن السيد محمد السيد متروک السيد هاشم التهامي الموسوي اقر واعترف بذلك من ان مقام ابو الحسن وهو خطوة معروفة منذو القدم والها تاريخ عريق بلکرامات واعطاء المراد...».

وهناك من نسب هذه الخطوة للإمام علي بن أبي طالب، وتوجد إشارات تاريخية قد تدعم هذا النسب. قال صاحب معجم البلدان: «عبّادان في هذه الجزيرة التي بين النهرين فيها مشاهد ورباطات، وهي موضع رديء سبخ لا خير فيه وماؤه ملح، فيه قوم منقطعون عليهم وقف في تلك الجزيرة يعطون بعضه، وأكثر موادّهم من النذور، وفيه مشهد لعليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، وغير ذلك، وأكثر أكلهم السمك الذي يصطادونه من البحر، ويقصدهم المجاورون في المواسم للزيارة، ويروى في فضائلها أحاديث غير ثابتة، وينسب إليها نفر من رواة الحديث» (الحموي،1995م، 4/74).

و ذکر السید علي في الوصية: «وما قصدها طالب حاجه و صلا بها رکعتين واهداها الا امام المتقين و قائد القر المحجلین وسيد الوصيين علي بن ابو طالب عليه السلام والتحية بعقيده وخلوص نيّه الا و قد قضى حاجته»

وهکذا یصف السید هذه الخطوة: «وانی اوصيکم بآن المکان المقدس هو وقف عام اوقفه القدماء من سکّان هذا البلد الطيب حتّى انتهي اليه بالولایه، وطول البقعة المقدسة مائة قدم، وعرضها ماية قدم، والمحدودة بلتحديد الأربع شمالاً حوش ملکي وجنوباً نهر أبو الحسن والمقبرة العامة ومن الشرق العجد والغرب بقشة النخيل ملکی انا المقر بذلک» والملاحظ أن نهر أبو الحسن الذي يقطع عبادان عرضا سمي یهذا الاسم لأنه یمر من جنوب خطوة ابو الحسن. أما سبب الاختلاط ونسب هذه الخطوة للتهامیین واعطاء لقب التهامي لأبي الحسن من قبل الأستاذ علي بحراني پور هو دفن السيد علي التهامي في هذه الخطوة، فقد ورد في الوصیة کذلك: «هذا وأوصّي ولديَّه السيد حسن وسيد طالب ان يدفن جثماني بعد موتي في داخل مبنى خطوة ابوالحسن. کما اني لا أجيز لاحد من الورثه او غيرهم تملّک هذا المقام الشريف، وکل ملکيه خاصه لي غير وقف العموم فهی باطله ولا يجوز ذلک والله على ما اقول ووكيل» وضریح السید علي التهامي یوجد اليوم في داخل الخطوة الکائنة في منطقة تانکی ابوالحسن التي شهدت تغيييرات كبيرة أهمها ازاحة التانكي وبناء جسر يربط المنطقة بأحمد آباد.

المصادر:

١- الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان‏، بيروت: دار صادر، ط 2، 1995 م.

٢- بحرانی پور، علي، آبادان، طهران: دفتر پژوهش های فرهنگی، 1392 هـ.ش.

٣- نسخة مصورة عن وصية السيد علي بن السيد محمد التهامي.

فوائد في رسالة الحاج جابر المرداو إلی موسی ابن ملا علي

فوائد في رسالة الحاج جابر المرداو إلی موسی ابن ملا علي

حصلت علی نسخة من رسالة قصیرة کتبها الحاج جابر المرداو إلی موسی ابن ملا علي . وقد وجدت في التعليق عليها بعض الفوائد، فکتبت تعليقات لغوية وإيضاحيّة علی بعض ما جاء فیه، ونص الرسالة کالآتي:

بسم الله

نسلِّم علی عزیزنا موسی ابن ملا علي

سلّمه الله تعالی بالنبي وآله وبعده؛ معلومك جانا ابن عمنا یوسف المال الله واتفقنا ویاه، فعاد یکون عندك* معلوم بما یودیلك** یوسف توافقه وتمشي علیه. لازم تتابع رایه لبصیر معلومكم وبه الکفایة. ۱۲۶۱

جابر الحاج مرداو

الإیضاحات:

موسى ابن ملا علي: من أعیان المحمّرة، وهو موسی بن الملا علي الفیصلي؛ وكان له ولدان هما:محسن وفیصل.

جانا: فصیحها جاءنا.

معلومك: ليكن بعلمك، ليكن واضحا لديك أنّ.

يوسف المال الله: هو یوسف بن مال الله بن جوهر بن منصور، شيخ عشيرة المطور في عهد الشیخ جابر المرداو.

** ربما : یود یدّك!

لازم: يجب أن.

الکفاية: فصيحها الکفاءة

۱۲۶۱ه.ق: توافق سنة ۱۸۴۵ المیلادیة.

قراءة وتعليق:

توفیق النصّاري

فوائد في عقد توكيل"شرهان بن ناصر" على ثلث الهوير

فوائد في عقد توكيل"شرهان بن ناصر" على ثلث الهوير

حصلت علی نسخة من عقد توكيل "شرهان بن ناصر" علي ثلث أرض الهوير من قبل "شاوي بن سلیّط"، أبرم سنة 1937 المیلادية. وقد وجدت في التعليق عليه بعض الفوائد، فکتبت تعليقات لغوية وإيضاحيّة علی بعض ما جاء فیه، ونص العقد کالآتي:

بسم الله

وجه تحریر هذه الورقه، هو انه انا یا زایر شاوي ابن المرحوم سلیّط وانا في حالة الصحة والاختیار، ومن غیر غصب، ولا اجبار بأني قد وکلت شرهان ابن المرحوم ناصر علی ثلثي الذي بالهویر، وکیل مطلق یزرعها ولا لأحد أن یعارضه مادام مالي بيه شغل، وقد اعطیت هذه الورقة کي لا یخفی. جری في شهر رجب المرجب، یوم ثمانیه وعشرین، سنة ۱۳۵۶.

شهد بذلك حاجي عسکر

صحیح؛ زایر شاوي ابن سلیط

بسم الله، شهد بما في هذه الورقة، وأنا الأقل صادق النجفي

الإیضاحات:

۱- شاوي ابن المرحوم سلیط: هو شاوي بن سلیط بن دویش بن هلیل البوغبیش.

۲ - شرهان ابن المرحوم ناصر: هو شرهان بن ناصر بن طاهر بن سلیط بن دویش بن هلیل البوغبیش.

۳- الهویر: أرض تقع شمالي خور موسی، في مدخل المدینة (سربندر) الحدیثة، لصق شركة الزیت الحالية، مطلة على طريق عبادان_خورموسی ، واسم الهْویر تصغیر الهور أي البطیحة.

۴- صادق النجفي: هو الشيخ صادق الغراوي النجفي، کان يقرأ عند الشیخ دایخ آلبوغبیش في الحدبا، وعند الحاج سعد الچاملي في الخروسي.

قراءة وتعلیق:

توفيق النصاري

حول شارع حفّار أو دبستان الحالي

حول شارع حفّار أو دبستان الحالي

كان الحفار قناة مائية في مدينة عبادان تمتد من شط العرب إلى سينما تاج (سينما نفط حاليًا). وكانت هذه القناة بمثابة مرسى للسفن الخشبية ومكان لإصلاحها. وكان هناك طريق رملي يحمل نفس الاسم موازياً للحفار، وهو في الواقع الحد الفاصل بين أراضي شركة النفط المؤجرة من الشيخ خزعل والمناطق الحضرية. وتحولت هذه القناة تدريجيًا إلى قناة لصرف مياه الصرف الصحي إلی شط العرب، ثم امتلأت بالقمامة، وبعد ذلك قامت البلدية بطمها وبناء حديقة وسيرك عليها. وكان هناك مکتبًا بجوار الحفار يدرس العلوم الدینیة واللغوية، حوله الإنجليز إلى مدرسة ابتدائية عام 1326 (1947 م) وسميت ب:"دبستان مهرگان"، وبعد افتتاح هذه المدرسة الابتدائية تغير اسم حفار إلى شارع "دبستان"، و لایزال یعرف بهذا الاسم، وهو أحد أهم شوارع المدينة.
ويقال أن الإنجليز عم من حفر الحفار. ومن الناحية التأصیلیة فإن کلمة "حفّار" علی وزن فعّال فيها دلالة فاعلية مبالغ فیها ومعناها في اللغة العربية: الذي يحفر الأرض.
أما کلمة دبستان المتداولة بالفارسیة والمطلوقة علی هذا الشارع مركبة من دب "الخط" و"ستان" (لاحقة المكان) فیکون المعنی حرفیا: مكان لتعلم الخط والكتابة. كلمة "دب" هي في الواقع من بقايا اللغة السومرية: dub ، والتي تعني اللوح والخط. وقد انتقلت إلى اللغة الأكادية بشکل duppu و tuppu. ثم عندما انتقلت إلى الآرامية أصبحت dup، وعندما انتقلت إلى الفارسية القديمة أصبحت : "دب" و "دیب".

مستخلصة من ذاکرة: کاظم آل یاسین، عزیزه هاشمی زاده، امیر زنگنه پور، محمد محمدی، سعید سلطانی، حبیب حسنیان، ومسعود فروزنده.

تداول كلمة "الكنديشن" في القصبة: رحلة لغوية عبر الزمن

تداول كلمة "الكنديشن" في القصبة: رحلة لغوية عبر الزمن

في منطقة القصبة جنوبي عبادان، يُطلق السكان المحليون على مكيف الهواء اسم "كنديشن"، ويجمعونه بصيغة "كنديشنات". هذه التسمية ليست حصرية للقصبة، فقد تم تداولها أيضًا في الكويت (الغنيم، 1997: 18) وقطر (نور عبدالله مالكي، 2000: 36)، كما أنها كانت مستخدمة في المملكة العربية السعودية، حيث وردت في شعر أحمد عبدالله الدامغ (توفي عام 2014):

صارت في الكنديشن وأفلت

منها القطو اللي يبغيه

(الدامغ، 1994: 95)

أصل الكلمة وانتشارها

تعود كلمة "كنديشن" إلى الإنجليزية "conditioner"، والتي تعني مكيف الهواء. وهي مشتقة من "condition" بمعنى "كيَّف، لاءم، ناسب"، مع إضافة اللاحقة "er" التي تُستخدم في الإنجليزية لتكوين اسم الفاعل، ليكون المعنى الحرفي "مكيِّف".

ومع ذلك، يبدو أن الكلمة لم تُؤخذ مباشرةً من الإنجليزية، فلو كان الأمر كذلك لكانت شائعة في عبادان ككل وليس في القصبة فقط. من المحتمل أن الكلمة انتقلت إلى القصبة من الكويت، حيث دخل "الكنديشن" إلى الكويت لأول مرة عام 1950 (السعيدان، 1970: 3/1255).

تراجع استخدام "كنديشن" وبروز "كولر"

على الرغم من استمرار تداول "كنديشن" بين كبار السن في القصبة إلی اليوم، إلا أن استخدامها بدأ يتراجع لصالح كلمة "كولر"، التي أصبحت أكثر شيوعًا اليوم. وكلمة "كولر" بدورها ذات أصل إنجليزي "cooler"، والمشتقة من "cool" بمعنى "بارد"، مع إضافة اللاحقة "er" ليكون معناها "مبرد". ومن المرجح أن الكلمة وصلت إلى المنطقة بعد مرورها باللغة الفارسية.

صعود "مكيّف" العربية

مع انتشار القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الذهاب للعراق، بدأت الكلمة العربية "مكيّف" تحل محل "كنديشن" و"كولر" في التداول اليومي، إلا أن هذه العملية تحتاج إلى مزيد من الوقت لترسخ الكلمة العربية بشكل كامل.

المصادر

الدامغ، أحمد عبدالله، وقفة والتفاتة: شعر، المؤلف، 1993.

السعيدان، حمد محمد، الموسوعة الكويتية المختصرة، م3، الكويت: وكالة المطبوعات، 1981.

الغنيم، يعقوب يوسف، ألفاظ اللهجة الكويتية في كتاب لسان العرب لابن منظور، 1997.

مالكي، نور عبدالله، ألفاظ دخيلة ومعربة في اللهجة القطرية، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 2000.