زیارة قرية الجرف ومقبرتها التاريخية
زیارة قرية الجرف ومقبرتها التاريخية
الیُرُف قرية تاريخية تقع في سهل یلاصق شط العرب من جهة عبادان. دخلت في التقسيمات الإدارية التي جرت بعد القضاء علی حکم الشیخ خزعل ضمن حدود مدينة المحمرة؛ تقع هذه القرية على مسافة 5 كيلومترات من مرکز المحمرة، مجاورة لجزيرة صلبوخ ومطار عبادان الدولي المؤسس عام 1941 م.
أصل اسم القرية هو "الجرف" و معناه شِقّ الوادي إذا حفر الماءُ في أسفله وقد حُرّف بسبب اليأيأة وهي ظاهرة صوتية لغوية قديمة يتم فيها إبدال الجيم ياءً وهذه الظاهرة ما زالت موجودة في بعض الأقطار مثل الكويت، والبحرين والأحساء، والأهواز، والعراق، ومنطقة ظفار جنوب سلطنة عمان.
وقد ذکرت المصادر هذه القرية بالجیم، فقد أوردها الميرزا تقي الكاشاني، الذي زار عربستان سنة 1299 الهجرية القمرية في عهد الشيخ مزعل بن جابر، الأخ الأكبر للشيخ خزعل، أوردها باسم "الجرف" في کتابه المعروف "گنج شايگان" المکتوب باللغة الفارسية ومعناه الکنز القيم (گنج شایگان، نشریه دانشگاه اصفهان، 1370 هـ.ش، العدد 3، ص 149).
کما ذكرها لوريمر بالجیم عام 1908 في کتابه الشهیر "دلیل الخلیج" وكتب أن سکان الجرف من الدریس (کعب)، فيها 30 بيتًا طينيًا وتقع على بعد 1.5 ميل أسفل قرية "شاخة مهيوب" (لوريمر، دلیل الخليج، القسم الجغرافي، 1/ 9). علمًا أن شاخة مهيوب لا أثر لها اليوم.
وقرية الیرف هي حاضرة "آل وادي" الدریس، ووادي هذا من الشخصيات المعروفة التي عاصرت الشیخ خزعل. کان الشیخ وادي من ضمن المتمردين الذين ثاروا ضد الشیخ خزعل فسجنهم في سجن "دهيمان"، وهذا السجن أصبح کناية تتداول للیوم علی لسان کبار السن. یقولون "فلان راح بيها لدهيمان" أي انه وقع في أمر تعسرُ النجاة منه، وقع في وَرطَة كبيرة ! وفي الموروث الشفهي توجد یزلة (جزلة) تاريخية قیلت بحق الشیخ وادي تداولتها الألسن جيلًا بعد جيل هي: "ثلث الله وثلثین لوادي، وسهم الله یطالب بي وادي". ومن غیر الواضح ما إذا کانت هذه الیزلة قيلت أول مرة بحقه أم بحق السياسي العراقي طالب النقيب (1871 - 1929)، ، فقد سبق وأن وجدتها مطلوقة بحق طالب النقیب هکذا: "ثلث الله وثلثین لطالب، و سهم الله یطالب بي طالب".
کنت قد زرت مقبرة الجرف التي تقع علی بعد کیلومترین تقریبا من قرية الیرف في الطفولة مع والدي ورفیقه "نعیم الصباغ" الذي يُعرف بـ"نعيم ابن عروگ" أيضًا وآخرین لا أتذکرهم مشارکين في تشییع جنازة صدیق لهم. کما زرتها في تشیيع والد الکاتب المحمري سعيد مقدم، والمرة الثالثة في تشییع أحد الأقرباء، وکانت کلها زيارات عادية من أجل المشارکة ببعض طقوس العزاء وأداء الوظيفة الإجتماعية.
لکنني کنت أنوي زیارتها منذ عام 2022 بصفتي موثقًا وباحثًا لا زائرًا . جاءت هذه النيّة بعد أن انتشر في التغطيات الإخبارية عن حادث متروپل في عبادان منذ الساعات الأولی لانهیار المبنی کلامًا عنصریًا مزيفًا من قبل بعض العنصرين الذين یسکنون دولا أوروبية بغية نزع العروبة عن مدينة عبادان وتغييب هويتها، فأخذت منذ هذا الحادث بالکتابة عن الهويات الجغرافية والتاريخية واللغوية في هذه المدينة وزرت أماکن عديدة وقری کثیرة فکان لزامًا علي زيارة هذه المقبرة التاريخية خاصة وهي احتضنت مجموعة من ضحايا انهيار متروپل عبادان تم تشییعهم إليها یوم الأحد 29 مایو 2022 بحضور عدد كبير من المشيعين وسط اطلاق جزلات (یزلات/ هوسات) تطالب بمحاكمة مرتكبي هذه الحادثة.
توجد حاليا في مدينة عبادان ثلاث مقابر فعّالة شهيرة، الأولی مقبرة "الخضر" التي تقع في قرية طرة الخضر بجوار خطوة منسوبة للنبي خضر، والثانية مقبرة "السيد بابا" التي غیر اسمها إلی " گلزار شهدای آبادان" وتقع بالقرب من قرية السید حسن الحکيم، والثالثة مقبرة اليرف، كما توجد مقابر صغيرة بجوار بعض القرى . علمًا أن مقبرة السيد بابا وحدها تدرج أسماء المتوفين في سجلات خاصة أما مقبرتي الخضر واليرف فيتم الدفن فيهما عشوائيا دون أي تسجیل وترقيم.
شاءت الأقدار أن أنسق لزيارة الیرف ومقبرتها يوم الخميس 14 مارس 2024 الموافق لـ 3رمضان 1445 هـ.ق. وصلت إلی عبادان حوالي الساعة 11 ضحًا. وقد حرّکنا باتجاه الیرف حوالي الساعة 12. یتم الوصول للیرف عبر الطريق الذي ينتهي بجزيرة الحاج صلبوخ. وهذه الجزيرة کانت تعرف بالمحلّة حتی نهاية القرن الثامن عشر، ولکن بعد أن عمّر فيها عبدالله الحاج صلبوخ الفرحاني سنة 1901 م عرفت باسم جزيرة صلبوخ. تجاور الیرف هذه الجزيرة.
دخلنا المقبرة حوالي الساعة 12:30. توجد بالقرب من مدخلها بعض المحلات التي تنحت وتزخرف الرخام لتزيين شواهد القبور، فجعلت من شواهد القبور ومظهرها مصدرًا ثقافيًا وتاريخيًا يشير إلى جمال الخط العربي والزخرفة، فضلاً عن الشعر والأدب. وتعدّ هذه الشواهد أكبر دليل على عمق الحضارة وقدرتها على الجمع بين إثارة الإعجاب، والدقة، والجمال.
إن الكتابات على شواهد القبور التي هي بمثابة سيرة ذاتية للمتوفی كانت باللغة العربية، یكتب اسم المتوفى واسم والده ولقبه القبلي ومكانته الاجتماعية (الزایر، الشیخ، الحاج، الشاعر، و...)، وأحيانًا کنیته (أبو فلان، أم فلان)، وتاريخ الولادة والوفاة.کما أن أغلب الشواهد کانت تحتوي علی قطعة من الشعر الشعبي تعبر عن الحزن الذي تبديه أسرة الفقيد/ الفقيدة، والشعر الشعبي ذلك الشعر الذي يستمدّ ألفاظه ومعانيه وأسلوبه من الحياة العامّة في الأهواز، ولا يعتمد على معايير اللغة العربية الفصحى من حيث التزامها بقواعد النحو والصرف، ولكنه يسير على نمط الشعر الفصيح ونسقه. ويُعد الشعر الشعبي الأهوازي مكونًا أصيلًا من مكونات الثقافة الأهوازية، ولعلَّ من أهم ما يجعله مميزًا أنه ينتسب إلى تراث موغل في القدم.
وکان للأبوذية حصة الأسد من أشعار الشواهد؛ والأبوذيّات رُباعيات تنظم علی البحر الوافر، مؤلفة من أربعة أشطر، الثلاثة الأولی منها ذات قواف مجنسة جناسًا كاملًا، والرابع يختم بياء مشدّدة مفتوحة وهاء ساكنة. وأصل التسميّة كما يبدو لي هو "أبو ئيّه" ومعناه حرفيًّا (الشعر الذي ينتهي بـِ"ئيَّه") لأن الأبوذيَّة تختم دائمًا بكلمة على وزن ئيّه مثل: بيَّ، و فيَّه، ثم لتسهيل النطق تحوّلت إلى أبوذيّه.
وما یجلب انتباه من يقرأ الشواهد التي تتضمن أبوذيات أن عددا کبیرا من الشاهدات تحمل نفس الأبوذية مما یدل علی أن بعض الناس لا یختارون شعرهم بنفسهم بل یترکون الأمر للناحت الذي لديه أبیات جاهزة.
کما أني رأيت شاهدة عليها بيتًا من شعر "الدارمي" وهو من اكثر انواع الشعر الشعبي شيو عا حيث يكتفي الشاعر ببيت واحد من شطرين متساويين علی وزن " مستفعلن / فعلان / مستفعلاتن" ليعبّر عن موضوع كبير.
وقد عثرت أثناء تجوالي في الممرات الضيقة بین القبور، يزلة (هوسة) علی شاهدة شخص باسم الملا عبدالباسط (04/11/1963 - 27/02/2016) بن الملا عبدالأمير. واليزلة نوع من أنواع الشعر الشعبي ذات وزن معلوم تنتهي بقافية محددة ثم تعقبها جملة غير مقفاة علی وزن "فعلن فعلن فعلن فعلن" ذات أيقاع يختلف عن أيقاع الأشطر التي سبقتها، تصاحبها دبكة جماعية حماسية يوحّدها الإيقاع ذاته، کانت تقال في المعارك والثورات والإنتفاضات، إذ فيها طاقة على الحض والحث، وحقن الهمّة في نفوس المقاتلين إلا أنها أصبحت تؤدی في مناسبات الفرح والترح کذلک. واليزلة المنحوتة علی شاهدة الملا عبد الباسط کالتالي:
الأبو شمعة يضوي الدار لو چلچل عليک الليل
ما دام الأبو موجود ينهض بالحمل ويشيل
فگد الأبو ما له علاج صدّگني يرک الحيل
من حيث الوالد تچّايه
وعموما کانت الشواهد تضم أبياتا ذات موضوعين؛ الأول: وعظ العابرين وحثهم علی التفکیر في عاقبة الأمور وغدر الدنیا وتقلب أحوالها، وهي تمثّل رؤية الناس إلی حياة الدنيا والآخرة. والثاني: تحسّر الأقرباء وتلهفهم علی الفقيد أو الفقيدة. کما توجد آيات قرآنية وحکم عربية بالفصحی منحوتة علی بعض الشواهد بدلا من الشعر الشعبي تتضمن نفس الغرضين.
يبدأ النص المکتوب علی شاهدة قبر الفقيد/ الفقيدة بجملة قرآنية مثل "هو الباقي" أو "هو الحي الذي لا يموت"، أو "کل من علیها فان و یبقی وجه رَبِّک ذوالجلال والاکرام" أو "إنا لله وإنا الیه راجعون"، ثم کلمة "مرقد" والتي توحي بأن المتوفى هو الآن في رقود تام ولا يعاني من أي شيء. ثم تأتي کلمة توصيفية کـ«الأم العزيزة، أو الأب الحنون، الوالد العزيز أو الشاب العزيز و..."، ثم کلمة تبرز المکانة الاجتماعية مثل "الزاير" أو "الحاج" أو "الشیخ" أو "الملا"، أو "السيّد"، أو "الشاعر"، أو "الخطیب"، أو... أو... وأغلب القبور تفقد هذا العنصر، ثم کلمة"المرحوم/ المرحومة"، بعدها اسم الفقيد/ الفقيدة مع اللقب القبلي، ثم الکنية، ثم اسم الوالد وتتم الإشارة إلی الوالد بکلمة المرحوم نحو: "نجل/ ابن المرحوم" أو "بنت المرحوم"، وقد یضاف اللقب القبلي لاسم الوالد لا اسم الفقيد، ثم تاریخ الولادة والوفاة، ثم قطعة الشعر، وفي النهاية کلمة "الفاتحة" في أسفل الشاهدة. هذا الترتیب هو الرائج في إغلب الشواهد لکن قد یتم تقديم أو تأخیر بعض العناصر أو الاستغناء عن بعضها. کما لا یفوتني أن أذکر أنه لا یتم الإشارة إلی اسم شاعر القطعة الشعرية في الشاهدة.
في جولتنا بين الأموات، کنت أصور بمهتافي المنقول بعض الشواهد التي تتضمن عناصر تستحق التدوين والکتابة عنها. منها أسماء العلم الغريبة والغامضة، والألقاب، والشخصيات المعروفة أو من یتصل إلیها، والأخطاء الإملائية و... .
لقد وجدت أسماء لم تعد رائجة وأخذت تخرج من الإذهان شيئًا فشيئًا بعد موت حامليها وجلهم من کبار السن. من ضمنها: “شربت” وهو تحريف أعجمي لکلمة "شربة" العربية. أخذها الفرس من العرب فخضعت عندهم لتطورات دلالية ولفظية إذ حولوا التاء المربوطة إلی تاء أصلية مثل "بهجت" و"عزت" وإلخ وأطلقوها علی العصير. علمًا أن کلمة شربت لا تتداول عند الفرس بعنوان اسم علم. شربت بچاري بنت الزایر عاشور، المولودة سنة 1925م (1304 هـ.ش) والمتوفية سنة 1999 م (1378 هـ.ش) کانت تحمل هذا الاسم في المقبرة. والاسم الثاني هو "ریجهن" وأصله "ريقهنّ"، ریجهن الفرحاني بنت الملا صبر ، مولودة سنة 1919 م ( 1298 هـ.ش) و متوفية سنة 2008 م( 1387 هـ.ش) .أثار هذا الاسم بعض الفضول لأفتش في ذاکرتي عن أسماء أخرى مشابهة لهذا الاسم فتذكرت في تلک اللحظة (داخل المقبرة) وأيضًا عند کتابة هذا النص (خارج المقبرة) طائفة من الأسماء المشابهة منها: "علاهن" هي التي في أعلى منزلة لما تملكه من صفات حميدة تفوق بها كل من حولها من النساء. وأذکر جارة لنا في الفلاحية تحمل هذا الاسم، تبيع الدجاح والبشوش والبطوط. و"كلهن" : تمتلك الخصال المحمودة لکل بنات جيلها بل هي كل بنات جيلها جميعهن اجتمعن فيها. و"فيهن" هي الظل (الفيء) الذي تأوي اليه صاحباتها. و"نورهن" هي النور الذي تهتدي به صاحباتها أو بنات جيلها. "شوفهن" هي الشوف (النظر) الذي تبصر به أترابها أو صاحباتها أو بنات جيلها، "مايهن" هي الماء الذي تحيا به كل نساء زمانها. و"تسواهن" تساوي (تعادل) في منزلتها كل النساء من قريتها أو جيلها أو عشيرتها أو أترابها أو.. أو.. لا يمكن لهنّ تخَطّيها بأي مَزيّة حسنة. "ضواهن" هي الضوء (النور) الذي يطغى على كل البنات. و"حلاهن" هي الجميلة الحلوة في الطعم والشكل ولا يمكن لأي واحدة من رفيقاتها أو بنات جيلها أو.. أو.. أن تدانيها بتلك الحلاوة. و"شورهن" هي العاقلة الفطنة الذكية صاحبة الرأي والمشورة والتي تتفوق برجاحة عقلها على جميع صاحباتها .
ومن الأسماء الغريبة الأخری التي رأیتها: "حصّه" وهو اسم خليجي معناه: اللؤلؤة الکبیرة. لم أکن أعلم قبل رؤية شاهدة قبر حصّه بنت عبدعلي الغانم المسعودي (المطوري) المولودة سنة 1923 م ( 1302 هـ.ش) والمتوفية 2009م ( 1388هـ.ش) أن هذا الاسم کان مستخدما في عبادان والمحمرة والأهواز عمومًا. و"هيله"، واحدة الهیل. وحاملة هذا الاسم في المقبرة هي "الحاجية هيلة بنت الحاج سالم الفرحاني" مولودة سنة 1936 م( 1315 هـ.ش) و متوفية سنة 2016 م( 1395 هـ.ش). وقد ذکّرني اسمها ببيت هيله للشاعر عبود الحاج سلطان زرگاني الذي کتبه لحبیبته الحقيقية أو المستعارة "هيله":
إلي ناظر چَمَا الطّوفان هيله
سفح و اغطىٰ العوالي بزود هيله !
متىٰ تجبل عَلَي و تصيح " هيله “
بفرح و تزيل كل همّ ال عليَّ ؟!
و"موضي" تحريف "مُضيئة". لم أکن أعلم قبل رؤية شاهدة قبر موضي الزهيري بنت شافي المولودة سنة 1929م ( 1308 هـ.ش) و المتوفية 2016م ( 1395 هـ.ش) أن هذا الاسم کان مستخدما في الأهواز. و"مریونه"، من أسماء الإناث، کان يستخدم بالقرن الماضي، ولا يزال مسموعًا في الأهواز والکويت والبحرين، مصغّر مريان، المحرّف عن "مرجان". و"لیلوه": أصله "لؤلؤة" واحدة اللؤلؤ، وقد نطقوا الهمزة واوًا. وحاملة هذا الاسم في المقبرة هي لیلوه بنت عباس، مولودة سنة 1935 م ( 1314 هـ.ش) ومتوفية سنة 2017 م ( 1396 هـ.ش). و"سبته": معناه المولودة یوم السبت. وحاملة هذا الاسم في المقبرة هي سبته بنت حافظ مولودة سنة 1925 م ( 1304 هـ.ش) و متوفية سنة 1999 م( 1378 هـ.ش).
ومن الألقاب التي لفتت انتباهي أذکر لقب "الدکسن" الذي سبق وأن کتب مقالًا عنه، کتب علی شاهدة قبر الحاجة حياة عبدالصاحب اسم زوجها وهو الحاج عبدالهادي دکسن. یعود أصل بیت الدکسن لقبيلة بني أسد. حمل جدها مفردة الدكسن كلقب ثم تحول إلی اسم عائلي. تنحدر هذه العائلة من الخطيب والشاعر البصري "محمد حسن بن عيسى بن مال الله" المعروف بـ "محمد حسن الدكسن" صاحب "الروضة الدكسنية"؛ یكتب عنه المؤرخ العراقي "جواد شبر" (1913 - 1982): « ولد في النجف سنة 1296 هـ . ونشأ بها على أبيه ودرس المقدمات وأخذ الخطابة عن الشيخ علي المعروف بـ (ابن عياش) فكان من ألمع أقرانه وتوالى عليه الطلب من البصرة والمحمرة للخطابة هناك ... ولمع نجم الشيخ دكسن وطلبه أمير المحمرة وحاكمها المرحوم الشيخ خزعل الكعبي فكانت له المنزلة السامية عنده وفي أيام التحصيل يكون النجف الأشرف مقره مهاجرًا إليها بعياله وينكب على الدراسة إلى جنب الخطابة وكنت استمع اليه يقرأ القصائد الطوال في رثاء الحسين عليه السلام واكثر ما يقرأ من المراثي للحاج هاشم الكعبي فكان يحتفظ بديوانه المخطوط الذي يحتوي على المراثي والغزل والمديح والتهاني» (شبر، جواد، ادب الطف او شعراء الحسين (عليه السلام) من القرن الاول الهجري حتى القرن الرابع عشر، بیروت: مؤسـسة التـاريخ، 2001م، 9 / 327).
أما عن التصاق لقب الدكسن فیه، یكتب الباحث المصري "محمد علي جماز" (1932-1993): و«دكسن هو لقب إطلاقي، أطلقه عليه الشيخ خزعل أمير المحمرة، حيث قرّبه إليه وجعله من أخصائه ومستشاريه في اللغة والعلم، وقال له: "انت مثل بندقية دكسن، قصيرة مثلك سريعة الحركة، قوية التأثير مثلك تماما"، وكان قصيرا، حركي الوقع، فسرى وصف البندقية عليه وعلى أولاده وأحفاده» (جماز، محمد علي، معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002، بيروت: دارالكتب العلمية،2002م، 5/ 227). توفي «يوم الأحد في قرية الدعيجي من لواء البصرة سنة 1368 هـ . ونقل جثمانه إلى النجف وارخ وفاته الخطيب الشيخ علي البازي بقوله :
ومنبر السبط بكى تاريخه
لما توفي الخطيب الحسن»
(شبر، 2001م، 9 / 328)
ومن الألقاب الأخری : "کعبي بوزه": هذا اللقب لازم أهالي "بوزة الکعبية"، وقد أخذ من اسم قریتهم التي ذکرها لوریمر سنة 1908 في دلیل الخليج بثلاثة أسماء "بوزة المحرزي" أو "شاخة البوزة"، أو "بوزه الشيخ عبد الله" (لوريمر، دلیل الخليج، القسم الجغرافي، 1/ 4). وقال: يسکنها کعب، فيها 40 بيتًا وكوخًا من الطين، تقع في المفترق بين نهري كارون وبهمنشير. علمًا أن عبدالله هو عبدالله بن عیسی بن غیث الکعبي، آخر حاکم من أسرة البوناصر، انتقل إلی هذا الموضع بعد نزاع حدث في الفلاحية. وفي بعض الوثائق التي تعود للحقبة البهلوية ورد اسم القرية بشکل: "پوزة شیخ جابر خان" (أنظر إلی احصاء السکان لسنة 1956 م) أي بوزة الشیخ جابر خان، وهو جابر بن عبدالله بن عیسی بن غیث. وکانت في مقبرة الجرف عدة شواهد تحمل هذا اللقب.
کما وجدت لقبا کتب بهذا الشکل : "عیداني (دموخي) " وأنا هنا لا أريد التحدث عن لقب العيداني لشهرته وانتشاره في مدينتي عبادان والمحمرة، بل سأتحدث عن اللقب الموضوع بین قوسین أي دموخي، والواضح أن هذا الشخص من الدموخ الذين هاجروا من "چاه کوتاه" في فترة القحط إلی عبادان والمحمرة ودخلوا ضمن فروع بعض القبائل ضمن العملية التي تسمی في جنوب عربستان بالـ"کتبة" وشماله "ذب الجرش" ، والجرش هو تحوير "قرش" وهي عملة مستخدمة في الإمبراطورية العثمانية، ولا يزال هذا الاسم مستخدما حتى اليوم بمعنى المال عامة في مصر وبلاد الشام. كلمة "جرش" لا تستخدم في الأهواز إلا في عبارة "ذاب جِرِش"، يقولون فلان ذاب جِرِش مع فلان عشيرة. وذبّاب الجرش هو الشخص الذي يضطر لسبب ما إلى الانتساب الى عشيرة أخرى غير عشيرته الأصل فيصبح واحدًا منها له ما لأفرادها من المساهمة المالية (ذب الجرش) عند دفع الغرامات أو الفصل.
والدموخ من دواسر البحرين، ويتمركز هؤلاء الدواسر في المناطق القريبة من ابو شهر وخصوصا في بلدة "چاه كوتاه" وهم لا يزالون يسكنون تلك المناطق و باعداد كبيرة. ویقال بأنهم أحفاد شخص باسم دمخ بن طهیفان ومن اسمه جاء لقبهم الدموخي.
ویبدو أن مقبرة الجرف حالها حال معظم المقابر التي تتشکل بالقرب من أماکن تتفاءل فيها الناس وتقدسها، فقد تشکلت في أيامها الأولی حول حجرة طینية مربعة فيها نوافذ مقوسة تضم قبر "موسی الجندیل"، تعرف بين الناس قديما بـ "بِنيَّة موسی". کتب علی شاهدة القبر بخط أنیق "موسی الجندیل" مؤسس مقبرة الجرف. ومن الواضح أن شاهدة القبر قد جددت حديثا، وإذا ما قارنا الفترة التي عاش فيها موسی الجنديل سنجد أن قبره من أقدم القبور المتبقيّة في هذه المقبرة. فکنت قد رأيت رسالة خطية منه مکتوبة حوالي منتصف القرن التاسع عشر مرسولة إلی الشیخ فیصل النصاري فبناء علی ذلک یمکن القول أن عمر المقبرة أکثر من 150 سنة. وجندیل لیس لقبا بل اسم علم للذکور، وجنديل هنا هو ابن غضبان بن عبدالشیخ الدریس. وجنديل کان مستخدمًا في القرون الأخيرة بعنوان اسم علم أصله "قنديل" بمعنی المصباح وقد نطقوا القاف جيمًا. ومن نفس الاسم اشتق لقب الجنادلة وهو نسبة إلى عشيرة جنادلة الخزرجية، وقد قيل لهم جنادلة على وزن فعاعلة على اسم جدهم الأکبر جنديل (قنديل) بن تركي الخزرجي، وسميت القرية التي یسکنوها جنادله أيضًا. وفي نفس الحجرة التي کانت تعرف ببنية موسی دفن سنة 2020 الشیخ "مصطفی الوادي" وهو مصطفی بن مزعل بن أحمد بن وادي بن موسی بن جندیل الدریس. شیخ عشیرة الدریس. ولد الشیخ مصطفی سنة 1925 ( 1304 ) وتوفي سنة 2019 ( 1398 ) وقد أسمت بلدية عبادان أحد شوارع الجرف باسمه ونصبت لافتة علی مدخله.
کما رأيت في الصدفة قبرا کتب علیه "المرحوم احمد نجل الشیخ دهراب" عرفت بأنه قبر أحمد بن المرحوم دهراب الشمیل الذي أعدم رميا بالرصاص سنة 1964 م مع رفیقیه محي الدين آل ناصر وعيسی المذخور. وتذکرت أن للمرحوم دهراب الشمیل أربعة أولاد هم: "أحمد ومحمود ومجيد وحميد"، کان الصديق "ابو معتز" قد زوّدني بأسمائهم و دونتها في المذکرات سنة 2022، کما أنه زودني بأسماء أولاد المرحوم محيي الدين، فله من الذکور عادل وجمال. أما بشأن المرحوم عيسی فأنه لم ینجب ولداً، وله بنتان کنت أعرف اسمهما منذ سنوات هما: "سهيله" و"کميله".
کما لفتت انتباهي الأخطاء الإملائية في الألقاب والأسماء والأشعار وبرأيي أهم سبب لوجود هذه الأخطاء هو عدم دراسة اللغة العربية في المدارس . ومن الألقاب التي وجدتها محکوکة بشکل خطأ هو لقب "مرمزي" علی شاهدة "مصرية بنت سالم" والصواب هو "مرمّضي" نسبة إلی عشیرة مرمض الطرفية، مصرية المرمضي مولودة سنة 1936 م ( 1315هـ.ش) ومتوفية سنة 2001م (1380 هـ.ش).
ولو أردنا مقارنة شواهد مقبرة الجرف بشواهد مقابر مدينة البصرة التي تفصل بینها وبین عبادان مسافة شط العرب سننتبه لبعض الفروق منها أن شواهد قبور مدينة البصرة خلافا لشواهد الجرف تخلو من الإشارة إلی سنة تاريخ الميلاد، أيضًا شاهدة البصرة ليست ناطقة باسم عائلة الفقيد/ الفقيدة فنجد معظم شواهد الجرف تبدأ بعبارات مثل: الأب الحنون، الوالدة الحنون، الوالدة العزيزة، الزوجة الحنون لکنک لن تجد هذه العبارات في شواهد البصرة. وهذه الفروق لیست بعيدة عن تأثر الشواهد الأهوازية بالشواهد الفارسية التي نجد فيها هذه العناصر، کما أن درج الشعر الشعبي لیس رائجا في شواهد البصرة کما هو هنا.
وعلی الرغم من أن هذه المقبرة تضم قبرا قد تصل قدمته 150 سنة عليه شاهدة مکتوبة حديثًا إلا أن معظم القبور جديدة ویبدو أن وضع الشاهدات علی القبور لم یکن رائجا فکانت القبور تندثر مع مرور الزمن، وقبر موسی الجنديل بقي بسبب وجوده داخل حجرة طينية کبیرة.
وفي النهاية بعد تجوال لمدة ساعتين في الممرات الضيقة العشوائية ما بين القبور ترکنا هذه المقبرة التي تحتوي علی قيمة تاريخية حية، حوالي الساعة الثانية مساءً بعد التقاط حوالي 50 صورة توثيقية من شواهد القبور.
