مناظرة المنزح والمكينة:

بين تقاليد الزراعة وابتكارات العصر الحديث

توفیق النصّاري

في حدود سنة 1966، كان الناس في "كوت شنّوف" جنوبي عبادان يسقون بساتينهم بطريقة تقليدية باستخدام "المنزح"، وهو إحدى وسائل الري التي تلت عملية السحب اليدوي، وهذه الوسيلة أكثر تعقيدًا وتطورًا، يرفع الماء بها إلى الأعلى من منطقة أكثر عمقًا. كان هذا العمل مرهقًا ويستغرق ساعات طويلة من النهار، مما جعل الزراعة تحديًا يوميًا يواجه الفلاحون فيه الصعاب من أجل تأمين مياه كافية لمحاصيلهم. كان الفلاحون يعتمدون على أساليب قديمة، حيث كانت المياه تتسرب بصعوبة من مصادرها، مما يزيد من عبء العمل اليومي ويؤثر على إنتاجيتهم.

في تلك الفترة، جاء تحول كبير حين اشترى الحاج حميد بن أحمد السلامي، مكينة (مضخة) صغيرة لسحب الماء تعمل على النفط والبنزين. كانت هذه المضخة فرنسية الصنع اسمها "جاب" (2 إنج). وعندما شغّل الحاج حميد هذه المكينة لأوَّل مرة، شعر هو ومن معه بالفرق الشاسع بين الراحة التي وفرتها المكينة والتعب الذي كانوا يواجهونه يوميًا باستخدام "المنزح". كانت المكينة بمثابة الأمل الجديد للفلاحين، حيث وفرت لهم الوقت والجهد، مما سمح لهم بالتركيز على جوانب أخرى من الزراعة وتطوير ممارساتهم.

لقد نظم الحاج حميد قصيدة تروي حوارًا متخيلاً بين "المنزح" و"المكينة"، وهو حوار بين القديم والجديد، بين الجهد والراحة، وبين الإرث التقليدي والتكنولوجيا الحديثة. تُعتبر هذه القصيدة تقليدية بامتياز، حيث تصور حياة الفلاحين الزراعية وتعكس التحديات اليومية التي يواجهونها. تتميز القصيدة أيضًا بنبرة فكاهية، حيث تسلط الضوء على التباين بين العمل الشاق باستخدام "المنزح" والراحة التي توفرها المكينة.

وتُعَد هذه القصيدة شاهدًا على مجموعة من الكلمات الخاصة بضفاف شط العرب، التي قد تكون غريبة على جيل اليوم ولم يسمع بها من قبل، مما يعكس تراثًا لغويًا وثقافيًا غنيًا. كما تشتمل على كلمات أجنبية تعكس تأثير الحضارة الحديثة، مثل "التميزر" و"الپستن" و"المكينة"، مما يمنح النص عمقًا ثقافيًا ويجعل القارئ يستشعر روح تلك الحقبة.

كتبت القصيدة على طريقة المربع. تعكس أسلوب الحاج حميد في الكتابة توثيقًا شعريًا لهذا التحول الكبير في حياتهم الزراعية، حيث تتجلى فيها مشاعر الفخر والحنين إلى الماضي، وكذلك التفاؤل بمستقبل أفضل.

الجدير بالذكر أن هذه القصيدة لم تنشر من قبل، وكانت مدونة بخط ید سامر البدراني في دفترٍ يعود لفترة الحرب، وقد تحمل عناء كتابتها وإرسالها لي عبر تطبيق الواتساب، مما يمنحها أهمية تاريخية وشعرية فريدة. إن أهمية هذه القصيدة لا تكمن فقط في الكلمات، بل أيضًا في السياق الذي نشأت فيه، حيث عكست التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المنطقة. إلیكم القصيدة:

فرد مرّه چنت ساگي البستان

محاربني الوكت[1] والجسم تعبان

هذا ال شاهديته بعمري یا خلّان

و هذي قصّتي بس اسمعوها زین

***

لن ساعه بصفحنه[2] طلعت النا جیوش

یقدمها المنزح [3] راسه منه بجوش[4]

لاهي صخول[5] لاهي غنم لاهي وحوش

مجیّش ع المكينه[6] المنزح الصوبین

***

گعدوا بالطماطه[7] وصار عدها عتاب

المنزح والمكینه وگبّر العطاب[8]

دورك راح یا منزح طین وذاب

لا خشبه ولا یذعه ولا بندین[9]

***

آنا بالسگي سوّیت بالوعه

و انتَ ساگِیَك یشتكي من ضلوعه

لو غط[10] الدلو[11] وهوّس[12] علی اللوحه

حیله[13] راح منه وبادن الریلین

رد المنزح:

آنا زارعي یسگي بدلو مْأمن

لا بيَّ تُمیزَر لا مغر[14] پِستِن[15]

ما توجد غراضچ بالحسا[16] وجرمن[17]

و لا بانگلترا ولا منها بالبحرین

***

ردت المكینه:

آنا علی النهر لو عچل[18] مني صیاح

ذاك الیوم عیده وونسة الفلاح

و انتَ ساگیك من ویع[19] ظهره طاح

و آنا برنِّتي هـَ الخلگ متونسین

***

المنزح:

بسچ یا المكینه الحچي خلّي عاد

یشهد لي الدلو والخیّر النوّاد[20]

من دگ القلم[21] عیزتي كل استاد

لو برقچ[22] ضعف لو ما وصل بنزین

***

آنا بالسگي تاریخ الي مذكور

هذي اهل الحساویه[23] وبیرقي[24] المنشور

بالیذعه[25] المخوخه وبندي المعكور[26]

و البلّه[27] العتیجه[28] وذنّي[29] الحبلین

تظل قصيدة الحاج حميد بن أحمد شاهدة على التحولات العميقة التي شهدتها حياة الفلاحين في "كوت شنّوف"، حيث تعكس الصراع الأبدي بين العادات التقليدية والابتكارات الحديثة. لقد غيرت المكينة الصغيرة مسار الزراعة، وفتحت آفاقًا جديدة للفلاحين، مما منحهم الفرصة لتطوير ممارساتهم الزراعية وتحسين جودة حياتهم. يعكس الحوار بين "المنزح" و"المكينة" ليس فقط التحول التكنولوجي، بل أيضًا روح التكيف مع التغييرات، مما يبرز أهمية التواصل بين الأجيال المختلفة والاعتراف بالتاريخ والجهود التي بذلها الأجداد.

إن هذه القصيدة، المدونة تكتسب بعدًا تاريخيًا يجعلها أكثر من مجرد كلمات، فهي تمثل ذاكرة جماعية. تبقى قصة "المنزح" و"المكينة" رمزًا للانتقال من الماضي إلى المستقبل، وتجسد القدرة البشرية على تجاوز التحديات والسعي نحو الأفضل.


[1] كلمة "وكت" باللهجة الأهوازية (وهي مأخوذة من "وقت" باللغة الفصحى) تُستخدم للإشارة إلى "الزمن" أو "الدهر". الناس يصفون الزمن أو الدهر بكلمة "وكت" ربما لأن الوقت هو العنصر الذي يتحكم في مرور الحياة والأحداث، فيكون بهذا المعنى "الدهر" الذي يحمل في طياته كل شيء يحدث بمرور الزمن، سواء من مآسي أو أفراح. ، استخدام كلمة "وكت" للإشارة إلى "الدهر" أو "الزمن" هو في الواقع مجاز عن القوة الغامضة للدهر وتأثيراته على الحياة لأن "الوقت" ككلمة مجردة لا يحمل معنى الدهر أو القدر، بل يُستعار للإشارة إلى مرور الزمن وما يحمله من أحداث.

[2] الصفح من تقسمیات الأراضي الزراعية، وهو أکبر من البشتکة والمرضوفة. یمکن أن یضم الصفح عدة مراضیف.

[3] آلة بدائية تستخدم لسقي الأراضي. تعتمد على تصميم يتضمن عناصر مثل الجذوع والخشب والحبال والدلاء، وتُستخدم لاستخراج المياه من السواقي.

[4] الجوش هو الغليان من الفارسية: "جوش" والفارسية بورها استعارت الکلمة من العربية، جاء في لسان العرب: «جَاشَتِ القِدْر تجِيش جَيْشاً وجَيَشاناً: غَلَت»، إلا أن الحاج حميد استخدم الجوش في القصيدة کناية عن الغضب.

[5] الصخول تعني المواعز، والأصل في الفصحى هو سخول. لكن عندما تأتي السين قبل الخاء في العامية الأهوازية، تُنطق صادا. وهذه الظاهرة تلاحظ أيضًا في بعض اللهجات الأخرى مثل العراقية، مما يعكس التغيرات الصوتية في اللهجات العربية.

[6] المكينة هنا تعني مضخة مياه، والكلمة مستمدة من التركية العثمانية "makine"، وهي بدورها من الإيطاليّة: " macchina".

[7] التعبير "گعدوا بالطماطه" يُعتبر مجازًا مرسلًا في البلاغة، حيث يتم استخدام كلمة "الطماطم" للدلالة على الأرض المزروعة بالطماطم، وليس الطماطم نفسها.

[8] عبارة "گبّر العطاب" تعني اشتد لهيب النار، ولكن في هذا السياق يُقصد بها أن المناظرة والحوار اشتدتا وأصبحا ساخنين.

[9] بندين هو مثنى كلمة "بند"، والتي تعني الحبل.

[10] غط: غطّس. ورد في لسان العرب: «غَطّه فِي الْمَاءِ يَغُطُّه ويَغِطُّه غَطّاً: غَطَّسَه وغَمَسَه ومَقَلَه وغَوَّصَه فِيهِ».

[11] الدلو في آلة المنزح هو عبارة عن تنكة زيت تُقصّ بشكل مناسب لغرف المياه، تدار حافتها بغصن من شجرة التوث، ويربطونها من ثلاث جهات بحبال تتصل بخشبة تُسمى العود

[12] دق رجلیه، دبک.

[13] الحيل هو القوة.

[14] "الغر" يعني ملأ الشيء بالسائل، وبناءً عليه، فإن "المغر" يمكن أن يُعتبر مصدرًا يدل على عملية ملء الشيء بالسائل. لذلك، يُمكن القول إن "المغر" يشير إلى فعل ملء المکينة بالماء قبل التشغيل وذلك لضمان أن المضخة ت.دفع المياه مباشرة عند التشغيل دون الحاجة إلى الانتظار. هذا الإجراء يساعد في تحسين كفاءة المضخة ويضمن عملها بشكل صحيح من البداية.

[15] المکبس مأخوذة من الفارسية "پیستون" والفارسية من الفرنسية:" piston".

[16] الحسا، المعروفة أيضًا باسم "الأحساء"، هي مدينة تقع في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

[17] كلمة "جرمن" تُشير إلى "ألمانيا"

[18] عچل: تصاعد ضجيجًا.

[19] وجع؛ وقد أبدل حرف الجيم یاءً.

[20] النوّاد: من أجزاء المنزح، وهو آلة ري بدائية تُستخدم في نقل المياه. يتكون من عصا غليظة مربوطة من الثلث التحتاني بخشبة معروضة على جذعين تُسمى "التعارضة". يتميز النوّاد بأن طرفه التحتاني يحتوي على خصفة مملوءة بالطين، مما يساعد في تعزيز فعاليته أثناء عملية الري. أما طرفه الفوقاني، فيرتبط بعصا ثانية تُعرف بالعود والذي تربط فيه الدلو.

[21] القلم هو أداة يدوية مصممة خصيصًا لإنشاء الخدوش، الثقوب، والعلامات الدقيقة على الأسطح الصلبة. يُصنع من فولاذ صلب ويتميز برأس حاد وقاطع يتم الضغط عليه باستخدام مطرقة. سميت هذه الأداة بالقلم بسبب تشابهها مع الأقلام الكتابية.

[22] كلمة "برق" في الأهواز جاءت من الفارسية، حيث تُستخدم الكلمة بنفس المعنى للإشارة إلى الكهرباء. ويعود أصل الكلمة في الفارسية إلى التأثيرات العربية، حيث أن کلمة "برق" في العربية تشير إلى الوميض أو الضوء المفاجئ في السماء أثناء العواصف. هذا الاستخدام في الفارسية يعتمد على تشبيه الكهرباء بوميض البرق، لأن كليهما يتسم بالضوء والطاقة المفاجئة.

[23] الحساوية هي جمع كلمة "الحساوي"، التي تشير إلى نسبة إلى الأحساء. تُستخدم للإشارة إلى سكان أو أصول أهل الأحساء.

[24] البيرق هو علم يُستخدم لتمثيل هوية العشيرة أو القبيلة. يحمل دلالات رمزية قوية، حيث يُرفع في بعض المناسبات للتعبير عن الفخر والانتماء.

[25] كلمة "اليذعة" تشير إلى جذع النخلة، وفي هذا السياق، تم تبديل الجیم بياء.

[26] معکور: مشدود.

[27] تُعتبر "البلة" حصيرة تُنسج من الخوص. تفرش داخل المجرى الذي يصب فيه الدلو، حيث تلعب دورًا هامًا في تسهيل عملية نقل الماء .

[28] "العتيجة" باللهجة تعني "العتيقة" أو القديمة. تستخدم لوصف الأشياء أو الأماكن التي لها تاريخ طويل أو عتيقة في النمط. تُستخدم هذه الکلمة للإشارة إلى الأشياء القديمة أو التي تم استخدامها لفترة طويلة.

[29] "ذني" هو اسم إشارة يُستخدم في اللهجة للدلالة على المثنى، ويعني "هذان" أو "هذان الشيئان". يتم استخدامه للإشارة إلى شيئين قريبين من المتحدث، سواء كانا أشخاصًا أو أشياء.