رحلة مصطلح "سر مهر": تمازج ثقافي ولغوي عبر التاريخ

توفيق النصاري

يستخدم مصطلح "سر مهر" في اللهجات العراقية للدلالة على أن الشيء جديد تماما ولم يُستخدم من قبل، وكأنه لا يزال في عبوته الأصلية، ويعبر عن حالة الكمال والجودة الأولية للمنتج. يُعبر هذا المصطلح عن ثقافة الاهتمام بالجديد وغير المُستعمل، حيث يحمل دلالة تُركّز على النقاء والأصالة التي تأتي من عدم تعرض الشيء لأي استخدام أو عبث. ولو أردنا العثور على مصطلح معادل لهذا التعبير في اللهجات العراقية اليوم، فيمكننا استخدام كلمة "بالپاكيت"، الذي يعبر عن نفس الدلالة لكن بروح أكثر معاصرة.

وقد أبدع الشاعر العراقي "موفق محمد" (مواليد 1948م) المعروف بـ"موفّق أبو خمرة" في توظيف هذا التعبير داخل بيت شعري فصيح، مستخدمًا كلمات عامية تضفي على النص طابعًا محليًّا وشعبيًّا، في قوله:

أفنيتَ عمركَ لم تقمْ من وجعةٍ

إلا وطحتَ بأخرى سرّ مهرٍ وانگس

يعتبر موفق محمد من الشعراء الذين يستلهمون من بيئتهم المحلية وتقاليدهم الشعبية، ويستخدم في قصائده أسلوبًا يجمع بين الفصيح والعامي، مما يضيف طابعًا فريدًا يعبر عن هموم الناس وواقعهم.وفي هذا البيت، يصور الشاعر تسلسل الأوجاع وتكرارها، حيث كلما خرج من ألم، وقع في آخر محكم الإغلاق، كأنه جديد وغير مفتوح. يعكس هذا التوظيف براعة الشاعر في إدخال العامية ضمن الفصيح.

بعض العراقيين يتلفظون هذا المصطلح باستخدام حرف الصاد بدلًا من السين، فيصبح "صَر مهر" بدلًا من "سَر مهر". يُعد هذا الإبدال من السين إلى الصاد شائعًا في اللهجات العربية، حيث يحدث هذا التغيير الصوتي كنوع من التكيف اللغوي المحلي. وقد استخدم هذا المصطلح بصیغته الثانية، شاعر من العراق باسم "کریم الرسام": فی قوله:

انه انطيتك گلب صرمهر مامجيوس

وتنكر هذا كله تگول شنطاني؟

والشاعر هنا يعبر عن خيبة أمله وعتابه الشديد. يقول إنه قدّم قلبه للآخر "صر مهر"، بمعنى جديد وغير مستهلك. ومع ذلك، ينكر الآخر هذا الحب ويستهين به، متسائلًا بلا مبالاة "شنطاني؟"، مما يظهر جحوده وعدم تقديره لمشاعر الشاعر وإخلاصه.

أما أصل هذا التعبير، فهو فارسي: "سر به مهر"، إذ يتكون من "سر" بمعنى الرأس أو أعلى الشيء ،و"به" بمعنى "بـ" كحرف يربط بين الكلمتين، و"مهر" التي تعني الختم. فالمعنى الحرفي للتعبير "سر به مهر" يصبح "مختوم من الأعلى" أو "مختوم من الرأس". هذا المعنى يشير إلى شيء مختوم تمامًا، مغلق بإحكام من جهته العليا، ويعطي انطباعًا بأن الشيء جديد، لم يُفتح بعد، ولا يزال في حالته الأصلية أو مغلقًا كما كان عند تصنيعه، وبالتالي فهو لم يُفتح أو يُستعمل بعد.

وقد شاع استخدامه في العهد العثماني، إذ كانت الوثائق السرية أو الأوامر الرسمية تُختم بـ"المهر"، وهو خاتم صاحب الأمر، لضمان الحفاظ على سرية المحتوى حتى وصوله إلى وجهته، وخاصة الأوامر الموجهة لحكام الأقاليم لتنفيذ تعليمات خاصة. ومع مرور الوقت، أصبح أصبح يُستخدم لوصف الأشياء الجديدة تمامًا التي لم يمسّها أحد، مما جعله تعبيرًا شائعًا في اللهجات العراقية الحالية.

وفي النهاية يمكن القول إن تعبير "سر مهر" في اللهجات العراقية ليس مجرد مصطلح يعبر عن شيء جديد وغير مستخدم، بل هو شاهد على التمازج الثقافي واللغوي بين الفارسية والعربية والعثمانية. يُظهر هذا التعبير كيف استطاعت اللهجات العراقية أن تحتفظ بمفردات ذات أصول مختلفة، معبرة عن مفاهيم لا تزال حاضرة بقوة في الحياة اليومية.