"چرچیح" بين الحقيقة وسوء الفهم: رحلة كلمة من التراث إلى جدل حديث
"چرچیح" بين الحقيقة وسوء الفهم: رحلة كلمة من التراث إلى جدل حديث
توفیق النصّاري
يعدّ التراث الشعبي جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية، ويحمل في طياته كلمات ومفاهيم تعبر عن واقع المجتمعات وموروثاتها عبر الزمن. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد التفاعل بين الثقافات، باتت بعض الكلمات التراثية عرضة لسوء الفهم والتفسير الخاطئ. واحدة من هذه الأمثلة التي أثارت جدلًا هي كلمة "چرچیح"، حيث شاعت تفسيرات مغلوطة حولها بعد تداولها عبر أحد منشورات وسائل التواصل.
في منشور بتاريخ 2 نوفمبر 2024م، نشر شاب يُدعى "أحمد الزيدان" عبر حسابه في الإنستغرام (abo_sayf) مقطعًا يذكر فيه بيتًا من شعر الأبوذية التراثي، منسوبًا إلى الشاعر "عذبي الحميدي" المعاصر للشیخ خزعل، وردت فيه کلمة "چرچیح" والبيت کالآتي:
خزعل تغفر السایات والبد
وأنا اگرب لک من الخلان والبد
چم چرچیح شاف الفشگ والبد
وأنا عذیبي ال یذبها علی المنيّة
أثارت هذه الكلمة تساؤلات وتعليقات من المتابعين، حيث ذهب البعض إلى تفسير الكلمة بالخطأ على أنها تشير إلى "چرچیل" الإنجليزي، في إشارة إلى "ونستون تشرشل". أمام هذا السيل من التعليقات، شعر الناشر بالارتباك واضطر إلى تعديل منشوره، مؤكدًا في کبشن المنشور حصول لبس في التلفظ والصحیح هو چرچیل لا چرچیح. لكن المسألة لم تتعلق فقط بفهم الكلمة وإنما بثقة المتلقي وصاحب المنشور في الموروث اللغوي الشعبي الذي يتداولونه. تعكس هذه الحالة تأثير الفجوة بين الأجيال في فهم بعض الكلمات، وصعوبة المحافظة على دقة التراث في ظل تداول المعلومات بشكل سريع وغير دقيق.
تعتبر كلمة "چرچیح" من المفردات التي تعبّر عن مكانة الشخص ورفعة شأنه في اللهجة الأهوازية، حيث تُستخدم للإشارة إلى صاحب المقام الرفيع، أو الشخص الذي يمتلك سلطة وشأنًا كبيرًا كالقائد أو الشيخ المرموق. وتجمع كلمة "چرچیح" على "چراچيح" أو "چراچحه". وقد ظهرت هذه الكلمة في السياق الشعري الشعبي كدلالة واضحة على الشموخ والوجاهة. على سبيل المثال، استخدم الشاعر فالح الدسبول الكلمة ذاتها عند وصفه للشيخ خزعل، فقال:
"الألف آه مْن الدَّهَر وأفعَالَه
بَيَّس بْچَرچِيحنا وشَل حَالَه"
هذا البیت هو مطلع من قصيدة تعرف بـ"الألفية" لأنها تتبع ترتيب حروف الألفباء، الشطر الأول "الألف آه من الدهر وأفعاله" يعبر عن الألم والأسى من تأثيرات الزمن وتقلباته القاسية. وفي الشطر الثاني "بيّس بچرچيحنا و شل حاله" تحمل كلمة "بچرچيحنا" دلالة رمزية تُحيل إلى الشيخ خزعل تحديدًا.
عند العودة إلى أصول الكلمة، نجد أن الكلمة أصلها: "جحجيح"، محرفة عن "جحجح" وتأتي من يُجَحْجِحُ بالكَرَم أي يُبَادِرُ به، جاء في جمهرة اللُّغَة: «رجلٌ جَحْجَحٌ وجَحْجاحٌ، وهو السيّد» (ابن دريد، 1998م، 1/182). وفي المحيط في اللُّغَة: «الجَحْجَاحُ: [السَّيِّدُ] السَّمْحُ الكَريمُ، والجَميعُ: الجَحَاجِحَةُ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّه يُجَحْجِحُ بالكَرَم؛ كأنَّه يُبَادِرُ به» (ابن عبّاد، 1414 هـ.ق، 2/293)
إن هذه الملابسة التي حدثت بين صاحب الحساب والمعلقين، تعكس بشكل واضح أهمية توثيق المصطلحات وتوضيح معانيها بشكل وافٍ خاصة في ظل انتشار التفسيرات الخاطئة. فكثير من المتابعين قد لا يكونون على دراية كافية باللهجات والموروثات المحلية، مما يجعلهم عرضة لسوء الفهم. ولعل النقاش حول هذه الكلمة يدعونا إلى التفكير في ضرورة توثيق الكلمات التراثية وضمان استمرارية فهمها للأجيال القادمة.
وفي الختام يمكننا القول إن الكلمات الشعبية مثل "چرچیح" تحمل في طياتها قصصًا ومعاني عميقة تستحق التوثيق والاهتمام. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء للثقافة والموروث. لهذا، من المهم الحرص علی توضيح مثل هذه المعاني وترسيخ فهمها حتى تظل حاضرة وتحتفظ بقيمتها في الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة.
المصادر
الصاحب بن عباد (ت 385 هـ)، المحيط في اللُّغَة، بيروت: عالم الكتب، 1414هـ.ق.
ابن دريد، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين، ط 1، 1988 م.
