يوسف الكويتي: بين النسيان والتاريخ المهمل
یوسف الكويتي: بين النسيان والتاريخ المهمل
توفيق النصّاري
لم أسمع باسم "يوسف الكويتي" إلا عام 2018، حين صادفت منشورًا على فيسبوك كتبه "كاظم الملا باهض الحمد"، المعروف بـ"كاظم بروشك" من أهالي مدينة المحمّرة. كان المنشور قصيرًا، لكنه أثار فضولي. ذكر الكاتب أن يوسف كان أحد المقاولين الذين استولوا على نقابة العمال العرب في شركة النفط بعبادان، إلى جانب "حداد الكنعاني"، و"حسين گزي"، و"الشيخ ناصر"، وأنه فرَّ عندما هاجم أنصار "حزب توده" الشيوعي النقابة عام 1946، فيما قُتل حداد وحسين.
حينها لم يكن لدي أي معرفة بهذا الاسم، ولم أجد عنه شيئًا في المصادر التي بحثت فيها لاحقًا. بدا وكأنه ظلٌّ عابر، اسم طُمس وسط تحولات كبرى، أو شخصية لم يُكتب لها أن تُدوَّن في السجلات الرسمية. ومنذ ذلك الوقت، ظل اسم يوسف الكويتي حاضرًا في ذهني، كلغز يستحق البحث والتقصي.
لم يخطر ببالي أنني سأكشف جزءًا من قصته مصادفة، عبر صورتين شارکهما معي الشاعر "سعيد غاوي" صباح يوم الإثنين 10 مارس 2025، لشاهدة قبر قديم في مقبرة مهجورة، وأرفق معهما هذا النص:«هذه صور من مقبرة اليهود في عبادان، التي تقع في فلكة السدة، مقابل قهوة ديوان. تعد المقبرة تحفة أثرية رائعة. هل زرتها أو سمعت بها؟»
رأيت أن الشاهدة تحمل اسم "يوسف بن يعقوب كويتي"، لكن الصديق سعيد لم يكن قد أرسلها لي لتذكيري بهذه الشخصية التي لم يكن يعرف تاريخها كما بدا لي، بل لتعريفي بـ "مقبرة اليهود" في عبادان. ويبدو أن سبب تصوير هذه الشاهدة تحديدًا من بين الشواهد الأخرى هو أن اسم المتوفى كُتب بطريقة عربية، ما يعكس التنوع العرقي لليهود الذين عاشوا في عبادان. فبينما كانت الغالبية العظمى منهم يتحدثون الفارسية، كان هناك أيضًا يهود انتقلوا إليها من العراق والكويت، مما أضاف تنوعًا لغويًا إلى مجتمعهم.
لكنني كنت أعرف المقبرة منذ سنوات، وأشرت إليها في مقال سابق عن يهود عبادان، وتحدثت فيه عن وجود قبر "نعيم ألفي" في هذه المقبرة. والمفارقة أنني وقفت بجانب جدارها المهدم مساء 27 فبراير 2025، أي قبل أسبوعين تقريبًا من مراسلة صديقي سعيد، لكنني لم أدخل إلى القبور لأتفحص الشواهد.
من خلال الصورة التي أرسلها سعيد، أدركت أن يوسف الكويتي لم يكن مسلمًا كما كنت أظن، بل كان يهوديًا، وها هو يرقد هنا، في المقبرة التي تحفظ أسماء منسيين مثل قصته. تلك اللحظة أيقظت في نفسي مزيجًا من الدهشة والحزن، وذكّرتني بمدى هشاشة الذاكرة الجماعية.
بعد اكتشاف هويته الدينية، واصلت البحث عن مزيد من المعلومات عنه في نفس اليوم. لم يكن الأمر سهلًا؛ فالأرشيفات لا تذكره، والبحث في "غوغل" لم يُسفر عن شيء. لكن بما أنني كنت أعرف بوجوده ضمن أحداث 1946 في عبادان، فقد وجدت إشارة موجزة إليه في "کتاب سیاه (درباره سازمان افسران توه)"، مقتبسة من تقرير شرطة مدينة عبادان بتاريخ 15 يوليو 1946م: "هاجم منتسبو حزب توده منزل يوسف الكويتي، أحد كبار التجار، ونهبوا الأواني والسجاد والملابس" (تیمور بختیار، 1953م: 24). وهذه الإشارة التاريخية أكدت ما ورد في ذكريات والد "كاظم بروشك"، لكنها لا تضيف الكثير من المعلومات الجديدة.
في نفس اليوم، حصّلت علی حوار أجري مع "برويز شايان" بتاریخ 23 يونيو 1998 في لوس أنجلوس، وهو يهودي من عبادان، تناول فيه تاريخ يهود المدينة. في ذلك الحوار، ذكر اسم يوسف الكويتي كشخص ساهم في تمويل شراء أرض لبناء مدرسة يهودية في عبادان. (برويز شايان، 1992). هذا التفصيل الصغير كشف جانبًا مختلفًا من شخصيته؛ فهو لم يكن مجرد تاجر أو مقاول، بل كان فاعلًا في مجتمعه، يساهم في الحفاظ على هويته الثقافية والتعليمية.
رغم ثراء يوسف الكويتي ومكانته التجارية وارتباط اسمه بأحداث حزب تودة سنة 1946 في عبادان، إلا أن اسمه لم يُحفظ في الذاكرة العبادانية. نسيان يوسف الكويتي ليس مجرد صدفة، بل نتيجة عوامل اجتماعية وتاريخية تضافرت لمحو أثره منها:
1. انحسار المجتمع اليهودي في عبادان
كان يوسف جزءًا من مجتمع يهودي محلي لكنه لم يكن شخصية عامة مؤثرة في المجتمع الأوسع. مع هجرة اليهود من عبادان بعد الحرب الإيرانية العراقية واندثار وجودهم كجماعة مؤثرة، فُقدت أيضًا الذاكرة الجماعية عن أفراده، ومن بينهم يوسف الكويتي. لو بقيت عائلته أو بقي مجتمع يهودي نشط في عبادان، ربما كان اسمه سيظل متداولًا ضمن ذاكرة هذا المجتمع.
2. غياب التوثيق التاريخي عنه
لم يكن ليوسف الكويتي ذكرٌ في الروايات التاريخية أو الأدبيات التي تؤرّخ للمنطقة. لم يُكتب عنه في الصحافة، ولم يترك خلفه مذكرات أو سيرة تُدوّن دوره التجاري والاجتماعي. الشخصيات التي يتم تناقل قصصها غالبًا ما تكون تلك التي حُفظت في السجلات الرسمية أو في الحكايات الشعبية، وهو ما لم يحدث مع يوسف.
3. عدم وجود إرث ملموس يُعيد اسمه للواجهة
لم يُعرف أن يوسف الكويتي أسس مشروعًا تجاريًا استمر بعده، أو أن له إرثًا معماريًا أو ثقافيًا في عبادان يُعيد اسمه للتداول کما في حالة الفي الذي ارتبط اسمه بمحل کان بجانب دوار وبات يعرف الدوار لليوم بفلکة الفي علی مستوی التداولات اليومية. في المقابل، الشخصيات التي تبقى في الذاكرة عادةً ما تكون مرتبطة بمعالم أو مؤسسات تجعل الناس يتذكرونها باستمرار.
لم أحصل على معلومات أكثر عن حياة يوسف الكويتي وعائلته، وكذلك عن كيفية هجرته أو هجرة والده من الكويت. كل ما موجود حاليًا هو تاريخ وفاته المحفور على شاهد قبره والذي يشير إلی يوم السبت، 8 مارس 1969، حيث دُفن في مقبرة اليهود، تلك المقبرة التي تعاني اليوم من الإهمال، مثلما عانى اسمه من النسيان. لم يبقَ من سيرته سوى شاهدة قبر وسط مقابر متآكلة، لا يزورها أحد ولا تُروى فيها قصص من رحلوا. كأن نسيانه كان امتدادًا طبيعيًا لمصير مجتمعه.
إن قصة يوسف الكويتي ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي دعوة للتأمل في كيفية حفظ الهوية والتاريخ من خلال نقل الشهادات والذكريات. وفي ظل تراجع الأثر التاريخي للمجتمعات الأصغر، يصبح من الضروري إعادة النظر في مصادرنا التاريخية والعمل على توثيق قصص تلك الشخصيات لضمان عدم اختفائها من الذاكرة العامة. بهذا، يُمكن للمجتمع أن يستمد من ماضيه دروسًا تعزز الهوية وتدفع نحو مستقبل واعٍ.
المصادر:
تیمور بختیار، کتاب سیاه درباره افسران حزب توده، چاپ مطبوعات، 1956م.
برويز شايان، حوار جماعي غير مطبوع، 1998م. تم الاسترجاع من:
https://ypsa.yale.edu/sites/default/files/files/T098-1_2%20Shayan%2C%20Parviz%20(NE).doc
کاظم بروشك، کلوب ( سندیکا -- نقابه ) گارگران عرب شرکت نفت، منشور بتاريخ 17 يوليو 2018، تم الاسترجاع من:
https://www.facebook.com/share/p/16Qyu3nvNn/
