الچندال والزبيدي: قراءة في خطأ توثيقي بمرويات کتاب "خور الدورق"
الچندال والزبيدي: قراءة في خطأ توثيقي بمرويات کتاب "خور الدورق"
توفيق النصاري
المقدمة
تعد المرويّات الشفوية جزءًا من التراث الشعبي الذي يعكس طريقة حياة الأجيال السابقة في المناطق المختلفة. ولكن، في بعض الأحيان، قد تكون هناك خلطات أو مغالطات في المعلومات المنقولة، سواء كان ذلك بسبب اختلاط الأسماء أو اختلافات في الفهم الثقافي. يوثق كتاب "خور الدورق" للباحث الأهوازي "توفيق فلاحيّة" رواية شفوية نقلها الحاج "قطيِّف خلف العساکرة" عن ممارسة الصيد في خور الدورق، حيث جرى التعامل مع نوعين مختلفين من الأسماك كأنهما نوع واحد؛ إذ كُتب اسم "الچندال" وأُدرج "الزبيدي" بين قوسين كتوضيح. في هذا المقال، سنحاول فحص هذا التداخل وتحليل الفرق بين الچندال والزبيدي، مع النظر في احتمالات حدوث الأخطاء خلال مرحلة التوثيق.
رواية الحاج قطيِّف عن الصيد التقليدي في خور الدورق
في كتاب "خور الدورق"، ذكر الباحث توفيق فلاحية نقلًا عن الحاج قطيِّف عن ممارسات الصيد التقليدية في خور الدورق: «أن السكان كانوا يصطادون سمك الچندل (الزبيدي) و ال"شانك" وال"بياح" وذلك بنصب ال"حيطان" وهي شباك يتم نشرها بشكل عرضي في خور الدورق لتعلق بها الأسماك خلال الجزر أي خلال تراجع مياه الخور»(توفيق فلاحية، 2019م: 59).
من خلال هذه الرواية، يظهر أن هناك خلطًا بين نوعين من الأسماك هما الچندال والزبيدي. ولكن، عند التدقيق، نكتشف أن هذين النوعين مختلفان تمامًا في الشكل والمواصفات البيولوجية.
التمييز بين الچندال والزبيدي
يُعد كلٌّ من الچندال والزبيدي من الأسماك الشائعة في مياه الخليج، لكنّ بينهما اختلافات جوهرية من حيث الشكل والبنية البيولوجية. الزبيدي سمك مضغوط الجانبين، فضي اللون، صغير الحجم نسبيًا، وله فلوس دائرية تسقط بسهولة، مما يجعله مناسبًا للصيد بالشباك التقليدية، ويُعرف علميًا باسم « Pampus argenteus » (توفيق النصّاري، 2018م: 69). لامس الشکل الجمالي لهذه السمکة وجدان "السيد کاظم الموسوي" فکتب متغزلًا:
یا ال طولچ طول الگنطاره
وشفافچ رطبة برحیَّه
وخدودچ یاسر ال بیهن
ترفات تگول زبیديه
(توفيق النصّاري، 2018م: 70).
فالشاعر هنا ينسج بين الشكل الجمالي والتفاصيل البيولوجية ليجعل من السمكة رمزًا للجمال والطبيعة. في المقابل، فإن الچندال سمك طويل قد يصل إلى سبعين سنتيمترًا، ذو جسم أسطواني وفك قوي، ينتمي إلى فصيلة مختلفة تمامًا، ويُعرف علميًا باسم Sparidentex hasta. وهذه السمکة وردت في قصيدة "الله یا ديرة هلي" للسيد محسن بن السيد مالح الموسوي التي کتبها في بعد الحرب الإيرانيّة -العراقية:
«بالمدة یتعده السمچ، الله ال یعرف اشكاله
برزم، شبوط وشعم، والبني وچنداله»
(قاسم رميله معرفي، 2017م: 38)
وقد أورد الشاعر هذه السمكة مع مجموعة من الأسماك النهرية، وهذا يمكن أن يعد من الفروق بين "الچندال" و"الزبیدي". حيث أن "الچندال" سمكة بحرية تعيش في الخليج، ولکنها تدخل إلى مياه شط العرب، وبهمشير وتصل إلى الخيران مثل خور الدورق. ووفقًا لما ورد في رسالة صوتية من البحّار والنوخذة "خلف المعرفي" (2 فبراير 2025)، فإن "چندال بهمشير" من الأنواع المميزة التي تتمتع بسمعة خاصة مقارنة بباقي أنواع الچندال التي تُصاد في مياه الخليج. هذا النوع يتسم بحجمه الأكبر وزنه الثقيل، مما يجعله أكثر دسامة، وبالتالي يكون أكثر رغبة لدى الصيادين و"الیزازفة" (تجار السمك) في تلك المنطقة.
ورغم هذا التمايز البيّن بين النوعين، فإن رواية الحاج قطيّف في كتاب خور الدورق تُشير إلى خلط واضح بينهما، ما يعكس التحديات التي يفرضها النقل الشفوي للمعلومات.
أسباب الخطأ في التوثيق
سمك الچندال «يسمى"سبيطي" أيضًا» (توفيق النصّاري، 2018م: 40) والعلة المحتملة وراء هذا اللبس تعود إلى أن الزبيدي يعد نوعًا شهيرًا ومعروفًا، في حين أن "السبيطي" أقل شهرة. هذا الاختلاف في الشهرة بين الأسمين قد جعل الباحث يفترض أن المقصود هو "الزبيدي" مع أن هذا ليس دقيقًا. في مثل هذه الحالات، يمكن أن يحدث الخلط بين الأسماء المحلية بسبب تشابهها الصوتي أو لعدم وجود فهمٍ وافٍ بالأصناف الأقل شهرة. من المهم في مثل هذه الحالات التحقق الدقيق من الأسماء المحلية وتوثيقها بالشكل الصحيح لتجنب الوقوع في مثل هذا النوع من الأخطاء.
أهمية التصحيح والتوثيق
من المهم التأكيد على دقة الأسماء العلمية في توثيق الأنواع البيولوجية لضمان عدم اختلاطها في السجل الثقافي والتاريخي. إن الخطأ في تحديد الأنواع قد يعكس فهمًا غير دقيق للموروث الشعبي، بل وقد يؤدي إلى تداخل المعلومات بين الأجيال.
الخاتمة
إن التوثيق الدقيق لأنواع الأسماك في المياه الخليجية، وخاصة في مناطق مثل خور الدورق، لا يقتصر على الجانب البيئي بل يمتد إلى أهمية الحفاظ على الذاكرة الثقافية للأجيال القادمة. إذ إن التاريخ المحلي والذاكرة الشعبية لا بد أن يُوثَّقا بشكل صحيح ليتجنب الناس تداخل الأسماء والأوصاف بين الأنواع المختلفة، مما يساعد على توثيق التراث الشعبي بشكل سليم ودقيق.
*المصادر*
توفيق النصّاري، معجم الکلمات البحرية الأهوازية، الأهواز: قهوة، 2018م.
توفيق فلاحية، خور الدورق، الأهواز: قهوة، 2018م.
قاسم معرفي رميله، همس النخيل، طهران: ابن سکيت، 2017م.
